يواجه المتابع للمشهد الإعلامي الجزائري في تعاطيه مع الأزمات الأمنية المتلاحقة في دولة مالي، حالة من الذهول حيال تحول المنصات الصحفية من أدوات للإخبار إلى أبواق تبشر بالخراب وتعتمد لغة الابتزاز السياسي والتهديد المبطن لباماكو.
العناوين التي تصدرت واجهات الصحف والمواقع الممولة من قبل النظام عملت على تكريس صورة ذهنية مفادها، أن استقرار دول الساحل هو رهينة حصرية بيد جنرالات قصر المرادية، وأن أي محاولة للخروج عن هذه الوصاية ستواجه بإطلاق العنان للفوضى الميدانية وهو ما يفسر التزامن المريب بين انسحاب مالي من الاتفاقات السابقة، وبين تصاعد الهجمات الإرهابية المنسقة على باماكو، التي باتت تحظى بتغطية إعلامية جزائرية تحمل نبرة التشفي والوعيد.
تحليل المادة الإعلامية الجزائرية في تعاطيها مع أحداث مالي، يكشف عن استراتيجية واضحة تعتمد على تضخيم قدرات الجماعات المسلحة وتصويرها كقوة قادرة على قلب موازين القوى في مواجهة الجيش النظامي، وهذا الأسلوب لا يمكن تصنيفه إلا ضمن خانة الدعم المعنوي واللوجستي للإرهاب العابر للحدود، حيث يتم تقديم العمليات التخريبية في باماكو أو المناطق الحدودية كدليل على صحة التوقعات الجزائرية، التي حذرت من الانهيار فور إنهاء دورها المشبوه في المنطقة.
وبدلا من أن تتبنى هذه الوسائل الإعلامية خطابا يدعو للتهدئة أو التضامن الإفريقي، نجدها تكرس جهودها لشيطنة النظام المالي ووصمه بالرعونة والديكتاتورية، مما يمهد الطريق ميدانيا لكل من يرفض الخضوع للكابرانات، فكرة الانقلابات أو السقوط تحت وطأة الميليشيات الموالية لهم.
وعلاوة على ذلك تبرز هذه التغطية الإعلامية تناقضا صارخا في المواقف السياسية للنظام الجزائري الذي يدعي حماية سيادة دول الجوار، بينما تحتفي أبواقه الإعلامية بتحركات جبهات الانفصال والحركات المسلحة التي تهدد وحدة مالي الترابية.
هذا الخطاب التحريضي الذي يربط بين الفوضى الأمنية في حال الخروج من الوصاية الجزائرية، يؤكد للعالم أن النظام في الجزائر بات يرى في الإرهاب أداة وظيفية فعالة، لإفشال المشاريع التنموية الكبرى في المنطقة، وتحديدا المبادرة الأطلسية التي فتحت لمالي والساحل آفاقا جديدة للازدهار، بعيدا عن سياسة الابتزاز الجزائري التي لم تخلف على مدار عقود سوى الركود وتفريخ بؤر التوتر.
وعليه يمكن القول إن الإعلام الجزائري وهو يروج لسيناريوهات تهاوي مالي، يسقط في فخ الاعتراف بالمسؤولية الجنائية عن حالة عدم الاستقرار في المنطقة، فالتبشير العلني بالخراب وربطه بقرارات سيادية لدول الجوار، هو إقرار ضمني بأن النظام الجزائري يملك القدرة على تحريك خيوط اللعبة الإرهابية، وتوقيت انفجارها، وهذا المسلك يضع الجزائر رسميا في مواجهة القضاء الدولي، والمنظمات الحقوقية التي بدأت ترصد تورط النظام في رعاية مجموعات مسلحة، تجعل من الجزائر اليوم المصدر الأول للقلق الأمني في القارة الإفريقية، والمهدد الأكبر لكل مساعي السلام والبناء المشترك.



