كان هادئا في صوته حد حب السينما، وكان وجها من وجوه تلفزيون حلمنا به في المغرب، وعشناه لمدة معينة، ثم أمسكنا التيليكوماند بأيدينا، وأطفأنا الجهاز، وقررنا لظلام الشاشة أن يسود المكان.
إسمه ابراهيم سلاكي، وشهرته أنه كان “مسيو سينما” في القناة الثانية “دوزيم”، حين كانت هاته القناة قادرة على أن تعلن بكل فخر أنها تلفزيون.
كان صنو “مدام سينما” أي بشرى العلمي، وكان رفقة الآخرين والأخريات الذين صنعوا هذا الحلم الإبداعي الجميل الذي كان، والمسمى “دوزيم” حينها يقترحون على المغاربة مشاهدة أخرى، مغايرة، مختلفة، لماتعودوا تحمله في السابق من الأشياء.
يوم الأحد رحل سلاكي، وتبادل رفاقه في القناة سابقا عبارات نعيه، التي كانت تحمل في طياتها نعيالمشروع إعلامي مغاير عاشوه واعتقدوه قادرا على البقاء والتطور، والذهاب إلى أبعد نقطة في الميدان، لكنه توقف.
بين حشرجات أصواتهم المخنوقة بفعل الدموع، كان سهلا على من يتتبع هذا الميدان أن يفهم أنهم يبكون صديقهم ورفيقهم ابراهيم فعلا، لكنهم يبكون أيضا مشروعا عزيزا عليهم، تم وأده بقسوة شديدة، وتم وضعه تحت التراب والسلام.
لماذا؟
لاأدري، ولا أحدٍ منا يدري. وفي زمن آخر من أزمنتنا غير البعيدة كثيرا، حين صارع وزير للاتصال كان يسمى محمد نبيل بنعبد الله بكل قوته عبقريا من عباقرة التلفزيون والسينما مثل نور الدين الصايل رحمه الله، وأزاله من إدارة دوزيم دون أي مبرر وجيه، اللهم الخوف من النجاح، أو عندما حارب وزير آخر للاتصال كان يسمى مصطفى الخلفي بكل قوته نفس نور الدين الصايل وأزاله من مركز السينما وجعل المركز على الحال الذي هو فيه اليوم، فهمنا أن مشكلا حقيقيا يعوق تقدم الإعلام المرئي في البلد، إسمه خوف الفاشلين من الناجحين.
هناك حرب حقيقية تخوضها الرداءة بكل مالديها من ضعف،( لأنها لاتمتلك أي قوة) ضد الجودة، وضد التميز، وضد القادرين عليهما.
يراد اليوم لتلفزيون المغرب أن يقدم فقط كاميرا خفية بليدة، وسيتكومات أبلد، ومسلسلات يجب أن تكون سكرانا ثملا، ومتعاطيا لكل أنواع المخدرات لكي تفهم تطور عقدها الدرامية (وهي عقد حقيقية مستوطنة في دواخل من يرتكبون هاته الفظاعات).
لذلك لم يعد في تلفزيوننا حاليا مكان لأمثال ابراهيم سلاكي، وأناقة صوته الهادئ المحب للسينما، الراغب في تقاسم شغفه بها مع الجميع.
لم يعد ممكنا أن تقدم برنامجا مثل “نماذج”. سيقال لك إنه لن يحقق البوز، ولن يحصد اللايكات، ولن تتقاسم الجموع فقراته عبر خاصية “البارطاج” التي فقدت معناها وأصبحت أنانية، أمية، وغير واعية.
رأيته آخر مرة في مصحة بدر في الدار البيضاء، أيام إصابتي بداء كورونا منذ حوالي الثلاث سنوات. كنا ننتظر دورنا معا لكي ندخل عند الدكتور المتميز جعفر هيكل، طبيب الأمراض التنفسية.
رأيته واقفا بقامته الفارعة الشهيرة، سألت من كان برفقتي “هل تتذكر هذا الرجل الجميل؟ لقد كان ذا أثر رائع في تلفزيوننا ذات يوم؟”.
أجابني مرافقي بقسوة باردة وجاهلة “لا، ماعرفتوش”.
ازدردت ألمي بصعوبة، وتراجعت عن فكرة السلام على ابراهيم سلاكي. تركته للفحوصات التي كان قادما منأجلها، وتيقنت أننا أصبحنا نتنفس فعلا هواءا صعب الاستنشاق غير قادر إلا على دفعنا نحو مزيد من الاختناق.
لماذا؟ علاش؟ واي؟ بوركوا؟؟؟
لا أدري.
المهم، رحم الله جزءا جميلا ومشرقا من ذاكرتنا البصرية (سينما وتلفزيون) المشتركة كان يسمى قيد حياته…ابراهيم سلاكي، والسلام.
