إصلاح الحقل الديني خلال 25 سنة من حكم الملك محمد السادس.. تجربة مغربية متفردة ضمن سياق دولي مضطرب

بواسطة الثلاثاء 23 يوليو, 2024 - 19:00

 انخرطت المملكة المغربية، القوية بموقعها كملتقى للثقافات، وبتاريخها المفعم بقيم التسامح والانفتاح، منذ أزيد من عقدين، تحت قيادة أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في مسلسل واسع النطاق لإصلاح الحقل الديني، يجسد تفرد التجربة المغربية ضمن سياق إقليمي ودولي مضطرب.

يتعلق الأمر بمجهود يسترشد بنهج شامل ومتكامل في رؤيته، أصيل في تصوره، وشامل في تنفيذه، مسنود بالدور الذي يضطلع به جلالة الملك باعتباره الضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية. والواقع أن القيادة الملكية والرؤية الشجاعة على مستوى قمة هرم الدولة كانت حاسمة في ترجمة برنامج الإصلاح هذا إلى واقع ملموس، ما أفضى إلى نتيجة مبهرة، قوامها تملُّك المغرب قوة ناعمة جعلت منه مخاطبا مسموع الصوت في الساحة الدولية.

وقد انطلقت مسيرة إصلاح الحقل الديني قبل 20 سنة بالضبط، حيث أرست المملكة، سنة 2004، أسس ودعامات سياستها الجديدة لتدبير المجال الديني. ومراعاة منه للتحديات الجديدة، شرع المغرب في إعادة هيكلة الحقل الديني، واضعا نصب أعينه، ضرورة وأهمية الحفاظ على الوحدة المذهبية للأمة، المتمثلة في سيادة المذهب المالكي.

وقد حدد جلالة الملك الخطوط العريضة لهذا الإصلاح في الخطاب الملكي السامي لشهر أبريل 2004، حيث قال جلالته في هذا الإطار “ها نحن اليوم، نشرع في إرساء وتفعيل ما سهرنا على إعداده، من إستراتيجية مندمجة وشمولية، متعددة الأبعاد، ثلاثية الأركان، لتأهيل الحقل الديني وتجديده، تحصينا للمغرب من نوازع التطرف والإرهاب، وحفاظا على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح”.

وهكذا، أُعيدت هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتم إصدار ظهير يقضي بإنشاء مديرية للتعليم العتيق وأخرى مختصة بالمساجد. وتم، ضمن هذا السياق، إضفاء نفس جديد على المجالس العلمية، بدعوة العلماء المشهود لهم بالكفاءة والاطلاع الواسع إلى تبني مبدأ القرب والإنصات عن كثب إلى المواطنين، خاصة منهم الشباب، وذلك بغية تحصينهم من النزعات المتطرفة أو المضللة.

وتجلى قطب رحى إعادة هيكلة الحقل الديني في تحديث التعليم الإسلامي، بغية النهوض بتكوين صلب ومتين في مختلف مجالات العلوم الإسلامية، ضمن مدرسة وطنية موحدة. واستندت المملكة في تنزيل هذه الاستراتيجية على مؤسسات قوية وآليات عمل فعالة تشمل ثلاثة مستويات، تتمثل في الوقاية من الأسباب العميقة للتطرف، وتفكيك خطاب الكراهية، والتحصين من خلال تطوير آليات كفيلة بكبح آفة التطرف.

وتشمل هذه المقاربة عدة مجالات ومحاور، بما في ذلك حماية التنوع الهوياتي، وتعزيز القدرة على الصمود ضد الإيديولوجيات المتطرفة، والتصدي للعوامل السوسيو-اقتصادية التي يمكن أن تؤدي إلى التطرف.

وهكذا، مضت عجلة التغيير على طول هذا المسار الواضح والمحدد على نحو جيد؛ إجراء تلو آخر، ونتائج ملموسة في نهاية المطاف. وهو ما يبرهن على رجاحة المقاربة المغربية الموسومة بالتماسك والاعتدال، الذي ما فتىء يشهد به شركاء المملكة. ويؤكد أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة شيكاغو الأمريكية، يوسف كاسيويت، أن “الإصلاحات التي تمت مباشرتها أسهمت في تجديد إسلام يرتكز على قيم الاعتدال والوسطية والتعايش والعيش المشترك”.

هذا التجديد، كان محط كل عناية واهتمام، ولاسيما في القارة الإفريقية، الراغبة في تحصين نفسها من خطر النزعات المتطرفة. ووفاء لتقاليده العريقة في التقاسم، وضع المغرب خبرته رهن إشارة البلدان الافريقية، وخاصة من خلال معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، وهما الآليتان المعنيتان بتنفيذ الاستراتيجية المغربية الجديدة.

ويتعلق الأمر بحرص المغرب على تقاسم هذه الخبرة والمعرفة، وفقا لمبدأ الترابط الروحي، الذي لا تتساوق فيه المقاربات والتقديرات فحسب، بل أيضا، وقبل كل شيء، القناعات القلبية الصادقة والالتزامات المسؤولة.

وفي هذا الصدد، أشار السيد كاسيويت إلى أن إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة كان “قرارا حكيما”، مؤكدا أن ذلك يبرز “ريادة المغرب في المنطقة باعتباره مركزا للمعرفة والعلوم الدينية”. والأكيد أن رمزية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بصفته سبط النبي الكريم وصاحب الإمامة العظمى، يعزز تموقع المغرب باعتباره أرضا للتسامح والتقاسم والسلام، حيث يرمز جلالته إلى هذا الإسلام المستنير القادر على صد استشراء التطرف الذي يقوض كافة جهود التنمية.

بدوره، أبرز الممثل السامي لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة، ميغيل أنخيل موراتينوس ، أهمية هذه الإصلاحات ذات الطابع التجديدي، التي تم الشروع فيها منذ بداية عهد جلالة الملك.

وأكد في هذا الصدد، أن المغرب “أسهم عبر تاريخه في إرساء ثقافة الاحترام المتبادل وقبول الآخر والعيش المشترك. وقد كان بمثابة مرجع ونموذج يحتذى على المستويين الإقليمي والدولي لبناء عالم أفضل يسوده الاحترام والتعايش”.

إن إصلاح الحقل الديني ينطوي على سيرورة متواصلة، من شأنها أن تهب للمغرب قوة ناعمة فريدة وتستأثر بالاهتمام. فمن آسيا إلى الأمريكيتين، مرورا بأوروبا وإفريقيا، أعربت العديد من الدول عن رغبتها في التعاون مع المملكة: الشريك الأساسي الذي يملك تأثيرا ونفوذا وحكمة تكفل له مساهمة قيمة في الحد من التطرف الذي يهدد السلم والأمن العالميين.

 

آخر الأخبار

جلالة الملك يوجه رسالة سامية إلى المشاركين في أشغال الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة
وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس رسالة سامية إلى المشاركين في أشغال الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدةطنجة – وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، رسالة سامية إلى المشاركين في أشغال الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة، المنظمة تحت الرعاية السامية لجلالة الملك، بطنجة من 22 إلى 25 يونيو […]
المركز الاستشفائي الزموري بالقنيطرة يطلق دورة تكوينية لفائدة حراس الأمن وأعوان الاستقبال
نظم المركز الاستشفائي الزموري بالقنيطرة، بتنسيق مع الشركة المناولة وتحت إشراف أكاديمية خاصة معتمدة، الدورة التكوينية الأولى لفائدة حراس الأمن الخاص وأعوان الاستقبال، وذلك في إطار برنامجه المسطر للرفع من جودة الخدمات برسم سنة 2026. وتندرج هذه الدورة التكوينية ضمن جهود المركز الرامية إلى تحسين ظروف استقبال المواطنين والمرتفقين داخل المؤسسة الاستشفائية، وتعزيز جودة الخدمات […]
بنسعيد:المغرب حريص تحت القيادة الملكية على حماية الوضع القانوني والتاريخي للقدس
احتضن فضاء أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، يوم الاثنين 22 يونيو، أشغال نقاش رفيع المستوى حول سبل ووسائل تحصين المركز الحضاري للقدس وتعزيز مكانتها كمدينة للسلام، تحت شعار “القدس.. عنوان لسردية عالمية للسلام”، وذلك تجسيدا لدور المملكة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، في ترسيخ قيم الحوار. وعرف هذا النقاش المنظم بشراكة بين الوكالة، و وزارة […]