تقرير أمريكي: المغرب يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة

بواسطة الأحد 17 مايو, 2026 - 11:12

مركز “ستيمسون” يرصد صعود المملكة كقوة إقليمية في الصناعة والطاقة والأمن والدبلوماسية والتحول الرقمي

في تقرير مطول خصصه لتحليل التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية بالمملكة، قدم مركز الدراسات الأمريكي “ستيمسون” قراءة لافتة لمسار المغرب خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن المملكة تتحول تدريجياً إلى قوة إقليمية صاعدة استطاعت ترسيخ موقعها كفاعل استراتيجي داخل إفريقيا والفضاء المتوسطي والأطلسي. التقرير توقف عند عدد من الأوراش الكبرى التي يقودها المغرب، من الصناعة والطاقة إلى الأمن والدبلوماسية، مقدماً صورة لبلد يراهن على الاستقرار والانفتاح والاستثمار من أجل تعزيز نفوذه الإقليمي والدولي.

موقع استراتيجي

ويشير التقرير إلى أن المغرب لم يعد يتحرك فقط باعتباره بوابة عبور بين أوروبا وإفريقيا، بل كمنصة استراتيجية تجمع بين المجال المتوسطي والأطلسي والإفريقي. هذا الموقع منح المملكة قدرة على لعب أدوار متعددة في ملفات الأمن والطاقة والهجرة والتجارة الدولية، وجعلها شريكاً أساسياً بالنسبة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من القوى الاقتصادية الكبرى.

كما يرى التقرير أن الرباط نجحت في تحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر قوة حقيقي، خاصة في ظل التحولات الدولية الحالية، التي تدفع عدداً من القوى الغربية إلى البحث عن شركاء مستقرين وقريبين جغرافياً من أوروبا والأسواق الإفريقية الصاعدة.

استقرار أمني

يخصص التقرير حيزاً مهماً للحديث عن البعد الأمني المغربي، معتبراً أن المملكة استطاعت خلال العقدين الأخيرين بناء واحدة من أكثر المنظومات الأمنية فعالية واستقراراً في المنطقة، في محيط إقليمي يعرف تصاعداً مستمراً للتهديدات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتوترات الجيوسياسية.

ويشير التقرير إلى أن المغرب، منذ اعتداءات الدار البيضاء سنة 2003، اختار اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد في مواجهة الإرهاب، لا تقوم فقط على التدخل الأمني التقليدي، بل على إعادة بناء المنظومة الاستخباراتية وتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، إلى جانب تطوير أدوات الرصد الاستباقي والتعاون الدولي.

ويعتبر التقرير أن المقاربة الاستباقية المغربية أصبحت نموذجاً يحظى باهتمام عدد من الشركاء الغربيين، خاصة بعد نجاح الأجهزة الأمنية المغربية في تفكيك عشرات الخلايا المتطرفة وإحباط مشاريع إرهابية قبل تنفيذها، سواء داخل المغرب أو عبر تقديم معلومات استخباراتية دقيقة لدول أوروبية وأمريكية.

كما يبرز التقرير أن التعاون الأمني المغربي الأوروبي أصبح يشكل أحد أعمدة العلاقات بين الرباط والعواصم الغربية، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب والتطرف والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود. ويشير إلى أن عدداً من الأجهزة الأمنية الأوروبية بات ينظر إلى المغرب كشريك موثوق يمتلك خبرة ميدانية متقدمة في تتبع الشبكات المتشددة.

وفي السياق نفسه، يتوقف التقرير عند الدور المتزايد الذي تلعبه المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني في تعزيز صورة المغرب كفاعل أمني إقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء، حيث تنشط جماعات متشددة وشبكات تهريب السلاح والبشر والمخدرات.

كما يشدد التقرير على أن قوة النموذج المغربي لا ترتبط فقط بالجانب الأمني الصرف، بل أيضاً بالمقاربة الدينية والمؤسساتية التي اعتمدتها المملكة في مواجهة التطرف. فالمغرب، بحسب التقرير، عمل على إعادة تنظيم الحقل الديني بشكل عميق، عبر تأهيل الأئمة والمرشدات الدينيات، ومراقبة الخطاب الديني داخل المساجد، ونشر نموذج ديني قائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني المعتدل، وهي عناصر يعتبرها التقرير جزءاً أساسياً من استراتيجية الوقاية الفكرية ضد التطرف.

وفي المحصلة، يقدم التقرير الأمن المغربي كجزء من مشروع دولة أوسع، يربط بين الاستقرار والتنمية والدبلوماسية والرهان الاقتصادي، ويجعل من المملكة أحد أبرز الفاعلين الأمنيين الصاعدين في المنطقة المتوسطية والإفريقية.

نهضة صناعية

يعتبر التقرير أن التحول الصناعي المغربي يمثل واحداً من أبرز عناصر الصعود الاقتصادي للمملكة خلال السنوات الأخيرة. فالمغرب انتقل تدريجياً من اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الفلاحة والسياحة والخدمات، إلى اقتصاد صناعي متنوع ومنفتح على سلاسل الإنتاج العالمية.

قطاع السيارات، بحسب التقرير، أصبح اليوم القاطرة الرئيسية للصادرات المغربية، بعدما تحولت المملكة إلى أكبر مصنع للسيارات في إفريقيا. هذا التحول لم يأت فقط عبر استقطاب مصانع عالمية، بل من خلال بناء منظومة صناعية متكاملة تضم شركات للمعدات وقطع الغيار والخدمات اللوجستية والتكوين المهني.

ولا يقتصر الأمر على السيارات فقط، إذ يشير التقرير إلى تطور قطاعات أخرى كصناعة الطيران والإلكترونيات والبطاريات والصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، ما يعكس توجهاً مغربياً لبناء اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة الدولية.

ميناء عالمي

يخصص التقرير مساحة مهمة للحديث عن ميناء طنجة المتوسط، الذي يعتبره أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي غيرت صورة المغرب الاقتصادية خلال العقدين الأخيرين.

فالميناء تحول من مجرد مشروع لوجستي إلى منصة عالمية للتجارة والصناعة وإعادة التصدير، تنافس اليوم أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط. الأرقام التي يقدمها التقرير تعكس هذا التحول، إذ بات طنجة المتوسط من بين أكثر الموانئ نشاطاً على المستوى القاري، مستفيداً من موقعه القريب من أوروبا ومن ارتباطه بشبكات النقل البحري العالمية.

لكن الأهمية الحقيقية للميناء، حسب التقرير، لا تكمن فقط في حجم الحاويات أو حركة السفن، بل في المنظومة الاقتصادية الكاملة التي نشأت حوله. فقد ساهم المشروع في استقطاب استثمارات صناعية ضخمة، وخلق آلاف فرص الشغل، وربط المغرب بشكل أعمق بسلاسل الإنتاج والتوزيع العالمية.

كما أصبح طنجة المتوسط واجهة اقتصادية تعكس صورة المغرب الجديد: بلد يراهن على اللوجستيك والصناعة والتصدير والاندماج في الاقتصاد العالمي.

انتقال طاقي

في ملف الطاقة، يقدم التقرير المغرب باعتباره من أكثر البلدان الإفريقية والعربية رهانا على الاقتصاد الأخضر والانتقال الطاقي.

فالمملكة استثمرت مبكراً في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، وعلى رأسها مركب “نور” بورزازات، الذي تحول إلى رمز عالمي للطاقة النظيفة في المنطقة. كما يبرز التقرير أن المغرب لا ينظر إلى الطاقة المتجددة فقط كحل لتقليص التبعية الطاقية، بل كجزء من رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة.

ويشير التقرير إلى أن أوروبا، التي تبحث عن بدائل مستقرة ونظيفة للطاقة، أصبحت ترى في المغرب شريكاً استراتيجياً مستقبلياً، خاصة في مجالات الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي والطاقة الشمسية.

كما يتوقف التقرير عند مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري، الذي يعتبره مشروعاً جيو-اقتصادياً ضخماً يتجاوز البعد الطاقي نحو تعزيز الاندماج الإفريقي وربط غرب إفريقيا بالمجال الأطلسي والأوروبي.

تحول رقمي

من النقاط اللافتة في التقرير أيضاً، تأكيده أن المغرب بدأ يتحرك بشكل واضح نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

فالرباط تراهن اليوم على استراتيجيات رقمية جديدة تهدف إلى تحديث الإدارة، وتطوير الخدمات العمومية، ودعم الابتكار والمقاولات الناشئة، وخلق فرص شغل مرتبطة بالمهن التكنولوجية.

ويشير التقرير إلى أن مشاريع مثل “المغرب الرقمي 2030” و”Maroc IA 2030” تعكس رغبة المملكة في التموقع كقطب عربي وإفريقي في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

كما يبرز أن المغرب يمتلك عدداً من العوامل التي قد تساعده على تحقيق هذا الهدف، من بينها الكفاءات الشابة، والبنية التحتية الرقمية المتطورة نسبياً، والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية في قطاع التكنولوجيا.

عمق إفريقي

إفريقياً، يرى التقرير أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء حضور اقتصادي ودبلوماسي متنامٍ داخل القارة.

فبعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي، اعتمدت الرباط استراتيجية تقوم على الاستثمار والتعاون الاقتصادي والتكوين الديني والانفتاح البنكي، بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي التقليدي.

ويبرز التقرير أن الأبناك المغربية أصبحت حاضرة بقوة في عدد من دول غرب ووسط إفريقيا، كما توسعت استثمارات مجموعة OCP ومشاريع الفوسفاط والأسمدة داخل القارة، ما جعل المغرب يتحول إلى فاعل اقتصادي إفريقي مؤثر.

كما يشير التقرير إلى أن المملكة تراهن على بناء فضاء أطلسي جديد يربط أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها السياسية والاقتصادية المتعددة.

مكاسب دبلوماسية

في قضية الصحراء المغربية، يعتبر التقرير أن الرباط حققت خلال السنوات الأخيرة تحولاً دبلوماسياً مهماً.

فالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتاح عدد من القنصليات بالأقاليم الجنوبية، كلها عناصر تؤكد، بحسب التقرير، أن المغرب نجح في تغيير طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع الملف.

كما يبرز التقرير أن المملكة لم تعتمد فقط على التحرك الدبلوماسي، بل دعمت ذلك باستثمارات ضخمة في البنيات التحتية والموانئ والطرق والطاقة داخل الأقاليم الجنوبية، في محاولة لتحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي يربط المغرب بعمقه الإفريقي.

إصلاح اجتماعي

اجتماعياً، يتوقف التقرير عند ورش الحماية الاجتماعية باعتباره من أهم الإصلاحات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.

فالمملكة تعمل على تعميم التغطية الصحية والتعويضات العائلية وأنظمة الدعم الاجتماعي، في محاولة لتقوية الطبقة المتوسطة وتحسين أوضاع الفئات الهشة.

ويرى التقرير أن هذه الإصلاحات تعكس رغبة الدولة في بناء نموذج اجتماعي أكثر توازناً، خاصة بعد التداعيات الاقتصادية العالمية وجائحة كورونا.

كما يشير إلى أن نجاح هذه الأوراش سيظل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد المغربي على خلق فرص شغل وتحقيق نمو أكثر عدالة واستدامة.

أرقام دالة

  • المغرب أول مصنع للسيارات في إفريقيا
  • طنجة المتوسط من بين أكبر الموانئ المتوسطية
  • هدف 56% من الطاقات المتجددة بحلول 2030
  • توسع قوي للاستثمارات المغربية في إفريقيا
  • دعم دولي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي
  • مشاريع كبرى مرتبطة بمونديال 2030 والاقتصاد الأخضر

آخر الأخبار

الكاتبة المغربية زينب مكوار تفوز بجائزة "أوريزون 2026" للرواية الثانية ببلجيكا
فازت الكاتبة المغربية زينب مكوار، أمس السبت ببلجيكا، بجائزة “أوريزون” عن روايتها “تذكر النحل”، وهو عمل أدبي متميز يستكشف، بكثير من الرهافة، التحولات المناخية والروابط العائلية في جنوب المغرب، من خلال كتابة شاعرية وعميقة الحساسية. ويغوص هذا العمل، الصادر عن دار “غاليمار” بالقارئ في أعالي جبال الأطلس المغربي، حيث يمزج بين الذاكرة العائلية ونقل المعارف […]
مراجعة اللوائح الانتخابية .. تقديم طلبات التسجيل الجديدة من 15 ماي إلى 13 يونيو 2026
أفاد بلاغ لوزير الداخلية حول إجراء مراجعة للوائح الانتخابية العامة تمهيدا للانتخابات التشريعية المقبلة لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، بأن الفترة المخصصة لتقديم طلبات التسجيل الجديدة تبتدئ من يوم 15 ماي 2026 إلى غاية يوم 13 يونيو 2026. وذكر البلاغ أنه “في إطار الإعداد للانتخابات التشريعية لانتخاب أعضاء مجلس النواب […]
خريبكة: الدورة الـ26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية تحتفي بسينما الأطفال
تولي إدارة المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، خلال دورته السادسة والعشرين المرتقبة من 30 ماي الجاري إلى 6 يونيو المقبل، أهمية خاصة لسينما الأطفال، باعتبارها رافعة حقيقية للتربية على الصورة. وأوضح بلاغ لمؤسسة المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة أن هذه التظاهرة السينمائية الجديدة، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ستخصص برمجة غنية […]