حزن!

بواسطة الثلاثاء 27 أغسطس, 2024 - 09:08

في الصيف لا تضيع هاته المهنة اللبن فقط. 

في الصيف تضيع رجالا وعلامات من صناعها.

أمس الإثنين فقط، فقدنا، لكي يصبح الدخول أثقل من المتحمل، العزيز جمال براوي، وقبله، وأثناء انشغال الناس بصيفها وعطلها وبقية الأشياء، غادر الحسين الحياني دنيانا مرفوقا ببعض الناس، وبكثير من الغضب والحزن على الكثير من الأشياء. 

عبارات النعي المسكوكة أصبحت تعترف بها المرة بعد الأخرى: هي لم تعد لها قدرة كبرى على التحمل، وهي لم تعد تفي إطلاقا بالغرض.

هل هي كثرة الفقد؟ وهل هو تعدده؟ 

أم تراه فقط التطبيع اللعين مع القاعدة الصادقة الوحيدة في الحياة: الموت؟ 

لا جواب. لا جواب نهائيا. 

فقط ذلك القبول المستكين بحزن، والتسليم الكامل الراضي بأن هذه هي السنة، وهذه هي الفريضة، وهذه هي النهاية الوحيدة المشتركة، الضرورية، اللابد منها لكل واحد منا. 

ومع ذلك، دعونا نصارح بعضنا بأن فقد منتمين لمهنة هي نفسها تصارع المرض وترفض الموت هو أمر أكثر إيلاما لها، ولنا ممن يقولون عن أنفسهم إنهم ممارسوها، وللآخرين الذين كانوا يتابعونها عن قرب في زمن آخر، ولفئة تتابعها عن بعد منذ البدء، وللبقية التي قد لا تعني لها هاته الحرفة أي شيء على الإطلاق. 

نحس بوخز في الضمير وفي سويداء الفؤاد وفي العقل أساسا، يدفعنا إلى تقليب مواجع الصفحات، محاولين القبض على التفاصيل الضائعة ــ وما أكثرها ــ ومرتكبين بشكل جماعي جريمة غبية وساذجة، هي جريمة محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء عسانا نصلح خطأ هنا، أو نجلس وقتا أطول مع فقيد هناك، أو نتجاوز عن أمر كان يبدو لنا في حينه خطيرا ومهما ولا يمكن السكوت عنه، واتضح لنا بعد منح الوقت للوقت أنه كان تافها وعايرا ولا يستحق كل ذلك الضجيج، بل في الحقيقة لا يستحق أي ضجيج. 

تلملم الحرفة أوراقها وحزن الكون يعتري منها كل المسام، ويلتقي بعض من تبقى فيها ببعض من تبقى فيها، والكلمات لا تسعفهم للحديث بصراحة، ولقول ذلك الذي ينبغي أن يقال. 

وسطهم، ستجد قلة قليلة تعرف اليوم إلى أين المسير، وما نهاية خط السير. 

الأغلبية الغالبة، تفعل فقط ما بوسعها لئلا يقال عنها في اللاحق من الوقت، إن زفرة الحياة الأخيرة كانت على بدها، وأنها هي من قدمت قبلة الموت الأخيرة للمجال. 

قطعة البطاطس الساخنة هاته التي ترميها يد إلى يد، لم تعد مهنة بالمعنى الحرفي، ولا بالآخر المجازي الذي تتيحه الكلمات. 

هي اليوم ساحة وغى، قل فيها عدد الفرسان، ويقل، وسيقل، وكثرت في ساحة حربها خناجر الطعن من الخلف في كل شيء، وسكاكين الخيانة المشحوذة من قلة علم، وقلة فهم، وقلة وعي، وقلة وطنية، وقلة عفة، وقلة مروؤة، وقلة إنسانية، وقلة بل انقراض كل نبل جعل الناس يوما تحلم بامتطاء صهوة هذا الحلم، وتغيير العالم بالكلمات، مسموعها ومقروئها ومرئيها والمكتوب، وامتهان الصحافة. 

في الغفران، كما في الرحمة، أو في الشهداء، وكذلك الحال في المقابر الأخرى المنتشرة في المدن البعيدة، لأبناء الأقاليم الذين تعود أجسادهم لمعانقة ثرى مسقط الرأس بعد رحلة العناء الكبرى التي تسمى الحياة، يتبادل الصحافيون والصحافيات عبارات العزاء، ينظرون في أعين بعضهم بعناء شديد، يدركون أنهم لم يقولوا لأنفسهم وللبقية، الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة. 

يتخفون في لحظة الحزن المشتركة، ويجدون فيها الوسيلة للهروب من سؤال يطرحه علينا الموت كل مرة بقوة ويجبرنا على سماعه والإنصات إليه بعد أن فشلت كل سنوات الحياة في فعل ذلك: لماذا؟ 

لا أحد يعرف فعلا، ولا أحد يستطيع الرد. 

وحدهم، أولئك الذين نضع عليهم التراب، ونقرأ فوق رؤوسهم بضع آيات، ثم نمضي لكي نواصل ما لا نعرفه من أشياء مهمة يمتلكون الجواب. 

المحزن هو أنهم لا يستطيعون مدنا به. 

يحتفظون به فقط لأنفسهم في انتظار التحاق البقية. 

«الله يرحم الناس»، وكفى، فوق سطح الأرض عندما يعيشون أو يتوهمون ذلك، وطبعا تحت التراب عندما يموتون…

آخر الأخبار

المغرب يتولى رئاسة مجموعة وزراء النقل لغرب المتوسط للفترة 2026-2028
تسلمت المملكة المغربية، اليوم الأربعاء بالرباط، رئاسة مجموعة وزراء النقل لدول غرب البحر الأبيض المتوسط (5+5) برسم الفترة 2026-2028، خلفا لجمهورية مالطا التي تولت رئاسة المجموعة منذ سنة 2021، وذلك في ختام أشغال المؤتمر الوزاري الحادي عشر للمجموعة. وتشكل هذه الرئاسة محطة بارزة في مسار التعاون الإقليمي في مجالات النقل واللوجستيك والتنقل المستدام، كما تعكس […]
خلف الستار: تسريبات "أطلس هاكرز" تكشف عبودية جيراندو لعرابه المهدي حيجاوي
في أدبيات الخيانة والارتزاق، غالبًا ما تتساقط الأقنعة بسرعة غير اعتيادية لتكشف عن الوجوه الحقيقية لأشخاص اعتقدوا واهمين أن شعارات “محاربة الفساد” خلف كاميرات الهواتف النقالة وانطلاقا من الملاذات الكندية الآمنة، يمكنها حجب عورات مخططاتهم التخريبية ضد الوطن. وهذا ما أكدته بشكل قاطع التسريبات الأخيرة الصادرة عن مجموعة “أطلس هاكرز”، والتي وضعت حدًا للادعاءات الزائفة […]
"إيتزي" تشعل منصة السويسي في أول حفل لها بالمغرب
أشعلت الفرقة الكورية “إيتزي” منصة السويسي بالرباط، مساء الثلاثاء، في حفل حماسي ضمن فعاليات الدورة الـ21 من مهرجان موازين – إيقاعات العالم، وسط حضور جماهيري كبير من عشاق موسيقى الكي-بوب. ومنذ اللحظات الأولى لظهور عضوات الفرقة الخمس على المسرح، تعالت هتافات الجمهور الذي رفع العصي المضيئة ولافتات تحمل صور المجموعة، في أجواء عكست حجم الشغف […]