دفاعا عن المؤسسات.. إصلاح قانون المجلس الوطني للصحافة يعيد ترتيب البيت المهني ويحصّن التنظيم الذاتي

بواسطة الأحد 30 نوفمبر, 2025 - 10:47

رغم أن البعض يقدّم نقدًا متشددًا يهدف إلى تعميم السوداوية والانتقاص من كل المكتسبات، إلا أن هذا الموقف كثيرًا ما يخفي خلفه حسابات ضيقة لا علاقة لها بحرية الصحافة أو الدفاع عن المهنة. فالأشخاص يمكن أن يتغيروا، أو يستبدلوا اذا أخطأوا أو انتهت مدة صلاحيتهم، لكن المؤسسات ينبغي أن تستمر وتتطور من داخل الجسم المهني وبأيدي المهنيين أنفسهم. وهذه الفلسفة هي التي يقوم عليها، إلى حد بعيد، مقترح تعديل قانون المجلس، باعتباره خطوة نحو تحديث الإطار المنظم، وتعزيز حكامة المؤسسة، وتحصين المسار الإصلاحي الذي تحتاجه الصحافة الوطنية.

يعود النقاش  حول مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في مناخ سياسي وإعلامي يعكس إرادة وطنية واضحة للارتقاء بالممارسة الصحفية وتحصينها داخل مؤسسات مهنية مستقلة وفاعلة. فالمغرب، وهو يواصل تثبيت اختياره الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات، يجد نفسه في حاجة إلى صحافة رصينة ومسؤولة، قادرة على أداء دورها في الإخبار والتحليل والمساءلة، والمساهمة في إشاعة الوعي والتنمية.

إن مشروع القانون الجديد، الذي يمتد إلى 97 مادة، لا يقتصر على تعديلات تقنية محدودة، بل يشكل مراجعة جوهرية لبنية التنظيم الذاتي للصحافة، جاءت استجابة لعدد من الاختلالات التي أظهرتها التجربة السابقة، ولرغبة حقيقية في جعل آليات التنظيم أكثر وضوحاً وفعالية. فقد بينت الممارسة أن المنظومة السابقة عانت من فراغ قانوني، خاصة في ما يتعلق بالإشراف على الانتخابات والدعوة إليها، وهو اختصاص لا يمكن أن يبقى مرتبطاً بالإدارة الحكومية، لأن مبدأ التنظيم الذاتي يقوم أساساً على الاستقلال التام عن السلطة التنفيذية. كما أن الارتفاع الملحوظ في عدد مواد المشروع الجديد يعكس اتجاهاً نحو ضبط أكبر لاختصاصات المجلس، وتفصيل دقيق لطرق تشكيله ومساطر الانتخاب والانتداب، وهي مطالب لطالما رفعها الصحافيون دفاعاً عن شفافية التمثيلية ومصداقيتها.

وقد جرى إعداد النص الحالي بعد سلسلة من المشاورات التي قادها المجلس الوطني للصحافة في ولايته الأخيرة مع مختلف الفاعلين المهنيين، حيث انخرط المجلس في حوار موسّع جمع الصحافيين والناشرين وممثلي المهنة من أجل تقييم التجربة السابقة ورصد أعطابها. وبعد بلورة المقترحات داخل المجلس، تم رفعها إلى الحكومة بصفتها الجهة المختصة بصياغة مشاريع القوانين، وذلك بغرض إحالتها على البرلمان كما هو معمول به في التجارب الديمقراطية المقارنة. وقد خلصت اللجنة المؤقتة، التي تولت مهام المجلس خلال المرحلة الانتقالية، إلى ضرورة اعتماد الانتخاب الفردي للصحافيين باعتباره الخيار الأنجع لضمان تمثيلية نزيهة والحد من اختلالات نظام اللوائح.

أما بالنسبة إلى فئة الناشرين، فقد أصبح تنظيم عملية الانتداب أمراً لا محيد عنه، بالنظر إلى العدد الكبير من المواقع الإلكترونية غير المؤهلة مهنياً أو التي تحمل صفة الناشر دون استيفاء الشروط القانونية والمهنية. هذا الوضع فرض وضع قواعد واضحة للانتداب، تضمن شفافية العملية وتحميها من الاختلالات التي عرفتها مراحل سابقة، مع الحفاظ على حق الناشرين الحقيقيين في تمثيلية قائمة على المهنية والشرعية.

ويتضمن المشروع أيضاً مقتضيات توسع من صلاحيات المجلس وترفع من مستوى التنظيم الذاتي، مع فتح المجال أمام الصحافيين والناشرين للطعن أمام المحاكم الإدارية في حالة حدوث خروقات، إلى جانب إحداث لجنة استئناف تضمن مساطر أكثر عدلاً ووضوحاً. ويعكس المشروع من خلال مواده الـ97 توجهاً إصلاحياً يسعى إلى سد الثغرات التي أبانت عنها التجربة الماضية، ويعيد ترتيب العلاقة بين الصحافي والقانون، وبين المجلس والجسم المهني، بما يرسخ قيم الشفافية والاحترافية والمسؤولية.

إن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد تعديل قانوني شكلي، بل هو خطوة استراتيجية نحو ترسيخ التنظيم الذاتي، وضمان استدامته وتطويره. فالمغرب، باعتباره بلداً اختار مسار الديمقراطية وبناء المؤسسات، يحتاج إلى إعلام قوي ومهني، قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي يعيشها، وعلى القيام بأدواره في الرقابة والمساءلة والتنوير والتنمية. إن تعزيز استقلالية المجلس، وضبط اختصاصاته، وإعادة ترتيب تمثيليته، كلها عناصر تجعل من هذا المشروع ورشاً إصلاحياً حقيقياً لإعادة الاعتبار للصحافة وتحصينها، وتمكينها من أداء دورها كشريك محوري في صناعة مستقبل المغرب.

في المحصلة، يكشف النقاش الدائر حول مشروع تعديل قانون المجلس الوطني للصحافة عن لحظة مفصلية في مسار الإصلاح الإعلامي بالمغرب. فالمبادرة ليست مجرد مراجعة لمقتضيات تقنية، بل هي تعبير عن وعي جماعي بضرورة تحصين المهنة من الداخل، وبناء نموذج مؤسساتي قادر على حماية حرية الصحافة دون أن يفرّط في مسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية. إن التحدي الأكبر اليوم لا يتعلق فقط بوضع قوانين جديدة، بل بترسيخ ثقافة مهنية تقوم على الاستقلالية، واحترام قواعد التنظيم الذاتي، والالتزام بآداب المهنة، وتعزيز دور المؤسسات في مواجهة كل أشكال الفوضى والتشويه. وإذا ما تمكّن هذا المشروع من إعادة بناء الثقة بين الجسم الصحفي ومؤسساته، وبين هذه الأخيرة والرأي العام، فسيكون المغرب قد خطا خطوة حقيقية نحو إعلام أكثر نضجًا واحترافية، وقادرًا على مواكبة رهانات المرحلة وتطلعات المجتمع.

آخر الأخبار

موسم مولاي عبد الله أمغار: هدية في قلب طقس عريق تجسد تقليدا متوارثا
في أجواء مفعمة بالروحانية والخشوع التي تواكب موسم مولاي عبد الله أمغار، أقيمت يوم الاثنين مراسم تقديم هدية تقليدية، بحضور عدد من الشخصيات والوجهاء وممثلي الشرفاء الأمغاريين، إلى جانب عدد من الفاعلين المحليين، في تجسيد لطقس متجذر في الذاكرة الروحية والثقافية للمنطقة.وبالإضافة إلى بعدها الاحتفالي، تشكل هذه المراسم إحدى المحطات البارزة ضمن فعاليات الموسم، إذ […]
الهبة الملكية تتصدر الافتتاح الرسمي لموسم مولاي عبد الله أمغار بالجديدة
نحو 200 مستفيد يتلقون مساعدات ملكية في افتتاح الموسم.. وتوزيع كراسي متحركة ونظارات طبية وهدايا على أطفال وأيتام بروح التضامن والتآزر، وبحضور رموز السلطات والمنتخبين وأفراد من الجالية المغربية المقيمة بالخارج، انطلقت، يوم الاثنين بالجديدة، فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، أحد أبرز المواسم الدينية والتراثية بالمملكة، حيث شكل توزيع المساعدات الملكية لفائدة نحو 200 […]
حكم بالإعدام ضد بشار الأسد وشقيقه ومسؤول أمني سابق
قضت محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بدمشق، اليوم الثلاثاء، بإعدام الرئيس المخلوع الفارّ بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، والمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، في حكم تاريخي يُعدّ الأول من نوعه الذي يدين رأس النظام السوري السابق ضمن مسار المحاكمات التي تشرف عليها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.وأصدرت المحكمة حكمها بإعدام بشار الأسد الذي حُوكم غيابيا […]