بين أن تكون مهووسا بقضية، تنفق عليها الغالي والنفيس، وتصارع العالم من أجلها، وبين أن تعلن أنك غير معني بهذه القضية، ولست طرفا فيها، يقف النظام العسكري مرتبكا حائرا، يتنقل من النقيض إلى النقيض، في مشهد فاضح لا يراه إلا من كان في قلبه مرض.
حكاية النظام العسكري مع قضية الصحراء حكاية مرضية، أو كما وصفها السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال «سكيزوفرينيا حادة»، تحتاج لعلاج نفسي، بعد أن أصبح هذا النظام يهلوس بهذه القضية في كل لقاءاته، في الوقت الذي يرفض فيه أن يجلس على طاولة واحدة تجمعه بهذا الطرف الذي يتهمه «باغتصاب هذا الحق»!
هذا المرض النفسي للنظام الجزائري دفع الأمين العام للأمم المتحدة لكي يعلن في تقريره السنوي إلى مجلس الأمن لتسجيل هذه المفارقة الصارخة لهذا النظام، ويضعه أمام اختيارين لا ثالث لهما، إما الانضمام إلى مقاربة سلمية بناءة تحترم مبدأ حسن الجوار والتسوية السلمية للنزاع، أو الانسياق وراء أجندة انفصالية فاشلة.
ويكشف هذا الموقف الذي وصفه عمر هلال بـ«الغريب» لدولة تدعي الحياد، لكنها لا تتورع على تقديم الدروس في اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة عن ازدواجية في المعايير، ما دفع غوتيريش لدعوتها للانخراط بحسن نية وبروح الانفتاح في العملية السياسية، والمشاركة مع الأطراف الأربعة المعنية بملف الصحراء في اجتماعات الموائد المستديرة.
وتشكل هذه الدعوة أحد أهم أركان البحث عن حل لقضية الصحراء، ولأي نزاع في العالم، حين يجلس أطرافه على طاولة واحدة، للتداول في القضية ومحاولة الوصول لتوافق، لكن في حالة النظام العسكري، فهذا الأمر مرفوض، لسبب بسيط، أنه سيكشف للعالم خلفيات موقفها من نزاع، تدعي أنه لا يعنيها.
وبسبب هذا الموقف المتناقض، والهروب الدائم من الجلوس لطاولة الحوار، دعا غوتيريش نظام الجزائر إلى التركيز على المصالح المشتركة، والامتناع عن الإسهام في تفاقم الوضع، من خلال الخطابات والإجراءات أحادية الجانب المتواصلة، والتحلي بالإرادة السياسية لتسوية هذا النزاع.
وفضح الأمين العام الأممي، هذا الخطاب الفوضوي لنظام يدعي أن بلاده مجرد «مراقب»، بينما مسؤوليتها تاريخية في فبركة هذا النزاع، فهي من تأوي الانفصاليين فوق أراضيها، وهي من تتولى الإنفاق على كل مخططاتهم، وهي من تسلحهم، وبالمقابل ترفض حتى أن تجلس للحوار، رافعة أمام الجميع، شعارا واحدا هو «رغبتها في إيجاد حل لهذا النزاع»!
وتكشف دعوة غوتيريش لنظام الجزائر، للانخراط الفعلي في العملية السياسية من أجل إيجاد حل فعلي لقضية الصحراء، بينما يدعي الحياد، عن تناقض صارخ ومفضوح، حيث أصبح معلوما للجميع أن قضية الصحراء، بالقدر الذي تشكل فيه بوصلة للمغرب من أجل التعاطي مع الدول، تشكل أيضا بوصلة للنظام الجزائري، لكن في اتجاه معاكسة حقوق المغرب في صحرائه.
فالنظام الذي يدعي الحياد استدعى سفيره من فرنسا، بعد أن اعترفت باريس بمغربية الصحراء.. وهو نفس النظام الذي قطع علاقاته مع إسبانيا، بعد قرار مماثل من مدريد، ودخل معها في خلافات سياسية واقتصادية.. وهو نفس النظام الذي يجعل من كل الملتقيات والقمم الإقليمية والدولية مناسبة لتقديم الدعم لمخطط الانفصال.
النظام العسكري الجزائري، والذي يدعي الحياد، هو نفسه الذي عرى نفسه في لقطة دولية، في قمة اليابان «تيكاد»، حين حول بلاده لدولة مارقة تتصرف بأسلوب العصابات وفي غفلة من الجميع وحاول إقحام البوليساريو في القمة، بطريقة مهينة، جعلت صحيفة إيطالية تصف ما حدث بأنه واحدة من أسوأ الصفحات في تاريخ الديبلوماسية الإفريقية، موضحة أن وضع لافتة مرتزقة البوليساريو دون ترخيص فرض تدخلا فوريا من وفد اليابان، الذي جدد تأكيده على عدم اعتراف طوكيو بالجمهورية الانفصالية الوهمية.
وأوضحت الصحيفة الإلكترونية الإيطالية «INFORMAZIONE» أن تصرف النظام العسكري ترك صورة سيئة ليس للجزائر فقط، بل لكل إفريقيا، وأن هذا السلوك ينم في حقيقته عن هشاشة الدولة المزعومة، ومن يقف وراءها، لدرجة اضطرار دولة الكابرانات الراعية لها، للبحث عن مشهد وضيع من شأنه تقديم صورة باهتة، في ظل تزايد سحب العديد من الدول لاعترافها بالكيان الوهمي.
وربطت الصحيفة ما حدث في قمة طوكيو بالجزائر مباشرة، واعتبرت أن ذلك يؤكد بالملموس أن هذا الكيان الوهمي هو صنيعة دولة العسكر في الجزائر، وأن هذا الحدث يدخل ضمن استراتيجية يتبناها الكابرانات، بدليل أن محاولة شيطنة المغرب تعد أحد ركائز سياسة دولة العسكر.
وهكذا فخلاصة تقرير غوتيريش لا تزيد إلا في توضيح الواضحات، وتكشف بالملموس أن كل ما قاله عمر هلال عن هوس النظام العسكري بقضية الصحراء وادعائه المظلومية بينما يرفض كل محاولة لإيجاد حل عبر المفاوضات يكشف الدليل عن سعيه الجاد لعدم تحقيق أي تقدم في سبيل إنهاء هذا النزاع المفتعل، والذي يمر فقط عبر اجتماعات الموائد المستديرة وتحمل الأطراف الأربعة للمسؤولية. «ستتمكن هذه المنطقة من أن تنعم بالسلام والاستقرار، وفي انتظار ذلك يواصل المغرب بحزم مسيرته التنموية في منطقة الصحراء المغربية تاركا للجزائر هوسها بالتشويش»، كما عبر عن ذلك السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، في ختام تدخله أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة»
