نجحت الرغبة الملكية الساعية لهيكلة المؤسسة الأمنية في وضع أسس حقيقية لهذا المسعى، والتي كان تصور جلالة الملك لها باديا منذ أول خطاب للعرش في 30 يوليوز 1999، حين أعلن جلالته عن مفهوم جديد للسلطة، شكلت المنظومة الأمنية أحد أركانه، والتي توطدت أكثر بعد أن حدد جلالته أركان هذه الهيكلة التي اعتمدت على ثلاثة أسس، هي المقاربة المواطناتية واختيار الرجل المناسب، ثم الانفتاح على العالم.
منذ أن اعتلى عرش المملكة، كان رهان جلالة الملك محمد السادس نفض الغبار عن علبة الأمن، وتحويلها لمرفق عمومي حقيقي في خدمة المواطن، ونقلها من سياقها القديم، حيث تختلط الممارسات بالخيالات المحيلة على السواد والتعذيب، لسياق حديث يكون فيه المواطن جزءا من المنظومة الأمنية، وتصبح الأنسنة عنوانا لأمن وطني جديد.
كان الرهان الملكي منذ البداية قائما على تفعيل المفهوم الجديد للأمن، ونزع السياق الذي كانت فيه المنظومة الأمنية في عهد الوزير القوي السابق إدريس البصري تمارس مهامها بمنطق سياسي أكثر منه أمني، والتحول بالتالي لجعل المرفق ذا مرجعية تقنية، حاملا فعليا لشعار الأمن في خدمة المواطن.
خدمة المواطن
تضمن الأمر اليومي، الذي تمت تلاوته منتصف ماي الماضي، بمناسبة الذكرى 68 لتأسيس القوات المسلحة الملكية، الإشارة الملكية إلى أن عالم اليوم يعرف عددا من التوترات المقلقة والتحولات السريعة غير المسبوقة، التي تتجسد في التقاطبات واختلاف التحالفات وتزايد احتمالات الحرب في مناطق مختلفة عبر العالم.
وأوضح جلالة الملك في هذا الأمر اليومي أن هذه التحديات تفرض حتمية إعادة التفكير في مفاهيم الأمن والدفاع، وضرورة تكييف البرامج والاستراتيجيات مع تعاظم التهديدات، ما يفرض تطوير قدرات القوات المسلحة الملكية بمختلف مكوناتها وتمكينها من كل الوسائل التقنية الحديثة والتجهيزات الضرورية من خلال برامج التكوين والتأهيل للعنصر البشري، مع وضع خطط مندمجة تكفل الجاهزية العملياتية الدائمة وتعزيز قدراتها الدفاعية في كل الظروف.
وإن كانت هذه التعليمات الملكية تهم جانب القوات المسلحة الملكية، إلا أنها تنسجم في عمقها مع التصور الملكي للمنظومة الأمنية، باعتبار تكامل الجهاز الأمني والجهاز العسكري في ضبط الأمن الداخلي والخارجي للمملكة، وأن أي قصور لأحد طرفي المعادلة يؤثر في نتائج عمل الطرف الآخر.
ووفق هذا التصور، كانت الرؤية الملكية منذ اعتلاء جلالة الملك عرش المملكة قائمة على ضرورة إعادة هيكلة قطاع الأمن، وهو ما فرض على مؤسسة الأمن الخضوع لعدة تحولات عميقة، همت القيام بعدد من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية، بالتوازي مع إصلاحات تقنية همت البنيات الأمنية والبشرية.
وكانت أول خطوة قادها جلالة الملك في هذا الإصلاح الكبير للمؤسسة الأمنية، هو ما تضمنه خطاب العرش الأول لجلالة الملك في 30 يوليوز 1999، حين رفع شعار ضرورة إقرار مفهوم جديد للسلطة، والذي تم تثبيت عناصره لاحقا في خطاب ملكي لاحق في أكتوبر 1999، حين حل جلالته بمدينة الدارالبيضاء، وحدد أمام المسؤولين عن الجهات والولايات والعمالات والأقاليم، بحديث جلالته على مضمون هذا المفهوم الجديد للسلطة، والقائم على رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية والمحافظة على السلم الاجتماعي.
وحتى يتحقق نجاح أي إصلاح، كان لابد من وضع العناصر البشرية التي بإمكانها تحقيق التصور الملكي لهذا المخطط، وعدم الاستعانة بمن يفشل أي إصلاح، باختلاق العراقيل، وهو عنصر حاسم كفيل بهدم أي إصلاح حقيقي، وهو أمر استشعره جلالة الملك منذ البداية، حين قرر القطع مع عدد من الأسماء التي كانت تشكل حجرة عثرة أمام تحقيق إصلاح حقيقي.
وفي سياق هذه التحضيرات الضرورية لتقديم هيكلة حقيقية للمؤسسة الأمنية، كانت عدد من التحديات الخارجية والداخلية تفرض التسريع نحو القطع مع الماضي، واعتماد مقاربة جديدة وحديثة في التعاطي مع مفهوم الأمن، وذلك من خلال ما حدث في أمريكا في أحداث 11 شتنبر 2001، ولاحقا ما حدث في المغرب إبان تفجيرات 26 ماي 2003، وهما التحديان اللذان فرضا التحول السريع نحو المقاربة الملكية لقطاع الأمن.
الكفاءة سر النجاح
كانت البداية التي فرضت نفسها عقب أحداث 16 ماي الإرهابية هو البحث عن البروفيل الجديد الذي ينسجم مع التصور الملكي لقطاع الأمن، حيث قرر جلالة الملك وضع اسم جديد على رأس المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، فكان الرهان الملكي على شاب جديد من مواليد 1966، له خلفية جامعية، ومعروف عنه اطلاعه على طريقة عمل خلايا التنظيمات الجهادية، حيث يعتبر أصغر مدير عام تولى إدارة جهاز المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حين تولى هذا المنصب سنة 2007، وهو في سن الـ39 من العمر.
ووفق التصور الملكي ذاته، سيتم إنشاء المكتب المركزي للأبحاث القضائية، المعروف باسم البسيج، وهو جهاز مختص في محاربة الإجرام المنظم، وخاصة ما يرتبط بجرائم الإرهاب، حيث أبان هذا الجهاز الذي أشرف حموشي على وضع أسسه ونجاحه لاحقا في تأدية مهامه في محاربة الإرهاب، وملاحقة الخلايا الإرهابية.
ومكن الاختيار الملكي القائم على منطق الكفاءة ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، عبد اللطيف حموشي، من القيام بمسؤوليته أحسن قيام، حيث حول المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني إلى مؤسسة تدار بأساليب حديثة، مكنته من تحقيق سبق كاسح في عمليات مكافحة الإرهاب والتطرف والإشادة بالأعمال الإرهابية، كان من ثمارها: تفكيك العشرات من الخلايا وتحييد نشاط عدد من الذئاب المنفردة، قبل الانتقال لمرحلة التنفيذ.
ولعل نجاح الرجل الذي لم يكن محل صدفة بوأه مكانة مرموقة، بعد نجاح فريقه في إجهاض العديد من العمليات في عدد من الدول، بسبب المعلومات التي تم تقديمها لأجهزتها الأمنية، وأضحى بذلك محل إشادة وشكر من أعلى القيادات العالمية، التي باركت مساهمته في إنقاذها من عمليات كان يتم التخطيط لها، قبل إجهاضها بناء على معلومات من الأمن المغربي.
وكان هذا النجاح على رأس المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني إيذانا بأن يقوم جلالة الملك الذي يتابع بدقة عمل كل من يضعه على رأس مرفق عمومي، بمكافأته وتكليفه بمهام جديدة، حين قرر جلالته تعيينه في 2015 على رأس المديرية العامة للأمن الوطني، مع احتفاظه بمنصبه على رأس المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في سياق نظرة ملكية ثاقبة أتت أكلها.
لقد كانت هذه الازدواجية في المنصب ناجحة بامتياز، حيث تمكن حموشي من التنسيق التام بين عمل المديريتين، عكس ما كان سابقا من تنافس وتنافر بين عناصر كل منها، ما انعكس إيجابا على عملية مكافحة الجريمة بكل مظاهرها، سواء ما تعلق منها بالإجرام العابر، أو ما تعلق بالإجرام المنظم، ومن ضمنه الجرائم الإرهابية.
وهكذا بين مرفق الأمن أنه حين يكون التصور النظري مقرونا باختيار الرجل المناسب، تكون النتيجة مرضية، إذ ساعد وضع حموشي على رأس المؤسسة الأمنية في تحقيق التصور الذي وضعه جلالة الملك لهذا المرفق، والقائم على نقل الأمن من مفهومه التقليدي، إلى مفهوم حديث مبني على ما كرسه دستور المملكة، الذي تحدث في فصله الـ21، عن مفهوم الشرطة المواطنة التي تحترم في عملها مبادئ حقوق الإنسان، وتكريس سياسة القرب من المواطن، وتجويد الخدمات الأمنية المقدمة للمواطنين.
وفي هذا السياق، كان الرهان قائما على ضرورة تغيير نظرة العنصر البشري لمهامه الجديدة، وضرورة الانتقال من صورة رجل الأمن المستبد والمحمي من قبل إدارته، إلى مرفق قائم على أساس ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو تدبير دستوري رفع شعاره جلالة الملك، وكرسه في الدستور، وسار في تنفيذه عبد اللطيف حموشي، الذي تبنى هذا الشعار في تدبير عمل عناصره الأمنية، حيث قرر أن لا يتوانى في محاسبة المخطئين، بنفس القدر الذي كان فيه يكافئ المجتهدين.
بدا حموشي مصرا على تطهير المؤسسة الأمنية من كل ما يمكن أن يمس سمعتها ويخدش صورتها، عبر معاقبة كل المستغلين لمهامهم الشرطية، في الإضرار بسمعة الأمن، سواء بالتوقيف والعزل أو حتى المتابعة القضائية، حين تدخل هذه الأخطاء في سياق ممارسات جنائية.
لكن هذا التخليق ومحاربة الفساد كانا أيضا شعارا لعملية التوظيف والتكليف، إذ كما كان اختيار جلالة الملك لقائد المؤسسة الأمنية قائما على مبدأ الكفاءة، كان حموشي أيضا مؤطرا بهذا الاختيار في تدبير عناصر المؤسسة الأمنية، حيث أضحى الولوج لأسلاك الشرطة قائما بالأساس على الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص، وهي المعايير التي كانت تعتمد كذلك في مجال التعيين في المناصب والترقي في السلك الشرطي.
وليس غريبا في هذا السياق مشاهدة حموشي مصرا على الإشادة بعدد من الحالات، حين يقدم رجل أمن على عمل يكرس هذا المفهوم المواطناتي للأمن، عبر تكريمه أو ترقيته، كما حدث مع عدد من رجال الأمن الذين استشهدوا أثناء تأديتهم لواجبهم، أو تعرضوا لإصابة ما، في مشهد يسعى من خلاله لرفع منسوب هذا التوجه النبيل.
ويسير هذا التوجه الذي يضعه حموشي ضمن تدبيره اليومي لمؤسسة الأمن، وفق التوجهات الملكية التي تضع العنصر البشري في المؤسسة الأمنية في قائمة هذا التحديث والهيكلة الجديدة لمرفق الأمن، حيث ظل جلالته مصرا على ضرورة الاهتمام بالأوضاع الاجتماعية والمادية والمهنية لموظفي مؤسسة الأمن الوطني، لذلك تقرر تعديل المراسيم الخاصة بالنظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني، في مرحلتين في 2010 و2019، بغرض تحسين الوضعية المادية لرجال ونساء الأمن الوطني.
كما كان جلالة الملك وراء العديد من المبادرات التي تروم تحسين الأوضاع الاجتماعية لرجال ونساء الأمن الوطني، إذ إلى جانب تحسين ظروف عملهم من خلال عصرنة وسائل عملهم، كانت التوجيهات الملكية تسير في اتجاه تحديث الخدمات الطبية لهؤلاء العناصر وأسرهم، من قبيل تدشين مركز للفحص بالأشعة والتحاليل الطبية، وتأهيل عدد من المرافق الصحية المخصصة لهذه الفئة من المغاربة.
الانفتاح على العالم
كما تحدث الدستور على جانب الأنسنة في تعاطيه مع المواطنين، كان أيضا داعيا لضرورة التواصل والانفتاح على العالم الخارجي، وهو أمر نجح فيه كثيرا المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، الذي نقل المؤسسة الأمنية لأن تصبح علامة مميزة في العالم. لقد كانت التعليمات الملكية تتجه نحو الانفتاح على التعاون الدولي في المجال الأمني، وهو ما انخرطت فيه المؤسسة الأمنية، والتي أبرمت العديد من الاتفاقيات والشراكات الدولية متعددة الأطراف في مجال التعاون الأمني، خاصة العملياتية وفي مجال ميادين المساعدة التقنية مع الأمانة العامة لمنظمة الأنتربول.
كما ربطت مديرية الأمن شراكات أمنية استراتيجية مع وكالات تطبيق القانون في الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا في مجال تبادل الخبرات والمساعدة التقنية والتكوين المتقدم في مختلف المجالات الأمنية، وهو ما تمت ترجمته من خلال زيارات متبادلة بين المسؤولين الأمنيين المغاربة والأمريكيين، وكذا القيام بدورات تكوينية، وتنويع مستويات التعاون العملياتي بين البلدين.
كما انخرطت في اتفاق لحسن النوايا مع مفوض الشرطة بهولندا، بغرض ترقية مستوى التعاون الثنائي بين البلدين في المجال الأمني، إلى جانب عقد اتفاق للتعاون المستدام مع شرطة ألمانيا الاتحادية، في مختلف المجالات الأمنية، إلى جانب عقد اتفاقيات مماثلة مع إسبانيا وموريتانيا والإمارات العربية المتحدة وفرنسا وألمانيا.
وخلال كل هذه اللقاءات، برز حموشي كديبلوماسي ناجح يسوق المنظومة الأمنية في الخارج، مرتديا قبعة جديدة كانت مغيبة لعقود، وأصبح الأمن شعارا لمرحلة جديدة في التدبير المغربي، حين تولى الرجل مقاليد المنظومة الأمنية، وحدد لها خطوطها الجديدة ضمن العهد الجديد لمغرب محمد السادس.
وضمن هذا العهد، توخت الاستراتيجية الأمنية التي يعتمدها حموشي توسيع علاقات الانفتاح على التعاون الدولي، بعد أن بينت هذه الاستراتيجية نجاحها في رفع مؤشر حجم النجاح الأمني من جهة، وفي دعم ديبلوماسية الدولة، التي لم تعد قائمة على المفهوم التقليدي القائم على اقتصار عملها على جهاز وزارة الخارجية، بل تعدته ليشمل العديد من الأعمدة التي من شأن تثبيتها تسويق صورة المغرب أكثر على المستوى الدولي.
وبالنظر إلى أن صورة الأمن تساهم في دعم الاستقرار داخل المغرب، فهي كذلك تساهم في دعم صورته في الخارج، لما لهذه الصورة من انعكاسات على الاقتصاد والسياحة والاستثمار، وهي مرتكزات نجحت المنظومة الأمنية في المساهمة إيجابيا في تكريسها وتنميتها.
ولعل اختيار حموشي كرس هذا التوجه الذي نقل المشهد الأمني من صورة معزولة إلى عنصر ضمن منظومة متكاملة، وهو عمل لم يكن من السهل تحقيقه لو لم تكن هناك إرادة حقيقية للتغيير، ولجعل الأمن واجهة شفافة لمغرب حديث، تتكامل داخله كل مكونات الدولة وتنصهر مجتمعة لخلق نموذج جديد لمغرب مغاير.
وفي هذا السياق، راهنت الولايات المتحدة الأمريكية على الأمن المغربي، من أجل تدعيم مخططها في العالم، حيث أصبح يمثل بالنسبة لها جزءا أساسيا للحفاظ على الأمن الإقليمي في منطقة المغرب العربي والصحراء والساحل، وفق تقرير سبق أن نشرته مجلة «أتالايار» الإسبانية، التي كشفت عن الرغبة الأمريكية في سعيها لتعزيز التعاون مع المملكة في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستخباراتية، موردة تنامي التعاون بين البلدين عبر بوابة التدريبات العسكرية لأسد الصحراء، التي تتعزز كل سنة وتزداد مجالات توسعا.
وقامت المجلة بتحليل رصين لزيارة عبد اللطيف حموشي إلى واشنطن، حيث حظي باستقبال كبير، وعقد جلسات عمل، استمرت لعدة أيام، مع مسؤولي الأمن والمخابرات الأمريكيين، خصصت لدراسة وتحليل التحديات الحالية للأمن الإقليمي والدولي، والتهديدات التي تشكلها الجماعات الجهادية والإرهابية المختلفة، في مناطق عديدة مثل الساحل والصحراء وشمال إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
ويشكل هذا التوجه الأمريكي عنوانا بارزا لرغبة عالمية أصبحت تتجه للاستعانة بالتجربة الأمنية المغربية، والاستفادة من خبرات أطرها في تنظيم عدد من الملتقيات الدولية، حيث لم يعد مستغربا مشاهدة حموشي وهو يستقبل سفراء دول ويستدعى لتكريمه في عدد من عواصم العالم، في إشارة حقيقية لانتقال المنظومة الأمنية المغربية إلى علامة مميزة تروج لمغرب جديد.
