محمد الطالبي يكتب: عذَّب جمالُ قلبي عندما اختار الرحيل

بواسطة الإثنين 27 يوليو, 2026 - 14:22

هكذا يأتي الخبر… باردًا، موجعًا، كأنه يقتلع شيئًا من القلب قبل أن يستقر في الذاكرة.
جمال زايد رحل.
رحل أخٌ وصديقٌ وزميلٌ، ورحل آخر البوعبيديين، كما كنت أحب أن أناديه، لأنه لم يكن مجرد منتمٍ إلى مدرسة عبد الرحيم بوعبيد، بل كان واحدًا من آخر الحالمين بقيمها، والمؤمنين بأن السياسة أخلاق قبل أن تكون مواقع، وأن الإنسان قيمة قبل أن يكون رقمًا.
كان ابن فكيك، وابن أسرة اتحادية أصيلة، تشرب الفكر الاتحادي منذ طفولته، وظل وفيًا له فكرًا وممارسة، يحمل اليسار الكبير في وجدانه وسلوكه قبل أن يحمله في خطابه. كبر في عين السبع، وصار واحدًا من أبرز وجوهها الثقافية والنضالية، معروفًا بين مثقفيها ونشطائها، يساريًا بقناعاته، لا بالشعارات، بل بالموقف الصادق والعمل الهادئ والإيمان العميق بالإنسان.
وظلت فكيك تسكنه أينما حل وارتحل. أحبها كما يحب الإنسان جذوره الأولى، وأحب واحاتها ونخيلها وأهلها، وكان يرى في الواحات درسًا في الصبر، وفي التشبث بالحياة، وفي الكرامة التي لا تنحني. لم تكن فكيك بالنسبة إليه مجرد مسقط رأس، بل ذاكرة وهوية وحنينًا دائمًا، وكلما تحدث عنها كان صوته يمتلئ بمحبة الأرض التي صنعت وجدانه وشخصيته.
كان قارئًا نهمًا، لا يشبع من الكتب ولا من الأسئلة. عشق الفلسفة، وعلم الاجتماع، واللغة العربية وآدابها، وآمن بأن المعرفة ليست ترفًا، بل شرطًا لفهم الإنسان والمجتمع. لذلك لم تكن الصحافة عنده مجرد مهنة، بل رسالة تنويرية ومسؤولية أخلاقية.
وفي جريدة الأحداث المغربية، ترك بصمته في عدد من الصفحات والملفات التي ستظل شاهدة على اجتهاده، من بينها صفحة «من القلب إلى القلب»، والصفحات الفكرية والدينية، والصفحات التنويرية التي كان ينجزها بعقل الباحث وضمير المثقف.
وكان متشبعًا بروح الزمالة، لا يعرف التعالي ولا الضجيج. غالبًا ما كنت تجده في وسط قاعة التحرير، منهمكًا في تصحيح مادة صحفية، أو يكتب بصمت، أو يقرأ بتركيز لا يقطعه شيء. كان يبدو منحنياً فوق أوراقه، لكن قامته الفكرية والأخلاقية كانت شامخة تعانق الأعالي. وحتى في لحظات الاستراحة، كان يجلس في الركن المخصص للمدخنين، صامتًا، غارقًا في تأملاته، كأن بينه وبين الأفكار حديثًا لا ينتهي.
ورغم ابتعاده عن الأضواء والضجيج، كانت لجمال صداقات واسعة وعميقة. لم يكن من هواة العلاقات العابرة، بل كان ينتقي رفقته بعناية، ويمنح ثقته ببطء. فإذا أحب صديقًا ظل وفيًا له حتى النهاية، ولم يعرف المحاباة أو المجاملة على حساب قناعاته. كان صادقًا في مودته كما كان صادقًا في مواقفه، ولذلك أحبه من عرفه عن قرب، لا لأنه كان كثير الكلام، بل لأنه كان نقي السريرة، مستقيم الخلق، وصاحب قلب يتسع للجميع دون أن يفرط في مبادئه.
رحل جمال في صمت، كما عاش. ورحل بعزة نفس وكبرياء الكبار، دون أن يساوم على مبدأ، أو يتخلى عن وفائه، أو يبدل جلده كما فعل كثيرون. بقي وفيًا لنفسه، ولأصدقائه، وللكلمة النظيفة، وللوطن الذي أحبه بكل ما فيه.
برحيله، لا تفقد الصحافة اسمًا فقط، ولا تفقد الثقافة صوتًا، ولا تفقد السياسة أحد رجالاتها النبلاء، بل نفقد جميعًا إنسانًا استثنائيًا، كان حضوره يسبق كلامه، وكانت ابتسامته تختصر الكثير مما تعجز عنه الخطب.
أقاوم هذه اللحظة، وأجد الكلمات أصغر من أن تحتمل حجم الفقد. فبعض الصداقات لا تُكتب، لأنها كانت تُعاش، وبعض الرجال لا يمكن رثاؤهم، لأنهم يتركون فراغًا أكبر من أن تملأه العبارات.
يا جمال…
سيكون رحيلك جرحًا جديدًا في ذاكرة أنهكتها الوداعات، لكنه لن يكون غيابًا. ستبقى حاضرًا في تفاصيل الأيام، وفي حكاياتنا، وفي الضحكات التي تقاسمناها، وفي المعارك التي خضناها دفاعًا عن الكرامة، وعن الحرية، وعن وطن يستحق الأفضل.
ستبقى حكاياتك مع الحياة درسًا في الألم الذي لم يهزمك، وفي الأمل الذي لم يفارقك، وفي المحبة التي منحتها للناس دون انتظار مقابل. وستبقى صورتك في الذاكرة، ذلك المثقف الهادئ، الذي آمن بأن الأفكار تبقى، وأن الرجال يُعرفون بما يتركونه من أثر، لا بما يتقلدونه من مناصب.
سيبقى اسمك مرتبطًا بفكيك التي عشقتها، وبواحاتها التي كنت ترى فيها مرآة لروحك، وبعين السبع التي احتضنت نضالك، وبقاعة تحرير الأحداث المغربية التي شهدت سنوات عطائك الصامت. وسيبقى كل من عرفك يتذكر ذلك الإنسان النبيل الذي لم يطلب من الحياة أكثر من أن يبقى وفيًا لمبادئه، صادقًا مع نفسه، ومخلصًا لأصدقائه.
وما أقسى رحيلك في كل أبعاده… كلما استعدت صورتك، تسللت إلى الذاكرة نغمات مجموعة العاشقين. عندها فقط يتجدد المعنى، ويدرك القلب أن جمالًا اختار الرحيل، فترك فينا حنينًا لا ينطفئ، ووفاءً لا يشيخ، وأثرًا سيبقى ما بقيت الكلمة الصادقة.
نم هادئًا، أيها الصديق العزيز.
أما نحن، فسنواصل الطريق… الطريق نفسها التي آمنا بها معًا، وستبقى تمشي معنا، وإن غاب الجسد. فهناك رجال لا يرحلون، لأنهم يتحولون إلى ذاكرة، وإلى موقف، وإلى ضمير حي.
وداعًا يا جمال… عذَّب جمالُ قلبي عندما

آخر الأخبار

النقابة الوطنية للصحافة المغربية تنعي وفاة الزميل جمال زيد
نعي الكاتب والصحفي جمال زيد في ذمة الله ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعي النقابة الوطنية للصحافة المغربية وفاة الزميل الكاتب والصحفي جمال زيد، الذي وافته المنية بعد مسيرة مهنية حافلة بالعطاء، كرسها لخدمة الصحافة المغربية والدفاع عن قيمها النبيلة. لقد كان الفقيد، رحمه الله، صحفيًا مهنيًا مشهودًا له بالكفاءة والاستقامة، جمع […]
الأحداث المغربية تنعى الزميل الكاتب والصحفي جمال زايد
ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعى أسرة جريدة الأحداث المغربية ومجموعة غلوبال ميديا هولدينغ الزميل الكاتب والصحفي جمال زايد، الذي انتقل إلى جوار ربه، بعد مسيرة مهنية حافلة بالعطاء والإخلاص والتفاني في خدمة الصحافة. برحيل جمال زايد، تفقد الأسرة الإعلامية المغربية قلما رصينا، وصحفيا مشهودا له بالكفاءة والمهنية العالية، عرف بين زملائه […]
الأحداث المغربية تكتب عن لقجع و "البام": عادي جدا !
انضم فوزي لقجع إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، فيما يمكن اعتباره حدث نهاية الأسبوع حزبيا في المغرب.رجل دولة، وكفاءة مكرسة في مجال اشتغاله منذ سنوات، سواء على رأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أو على رأس وزارة الميزانية، قرر الالتحاق بحزب مغربي، ماذا في ذلك؟لا شيء، سوى أن العديدين لم يؤمنوا بهذا اللاشيء، وأطلقوا […]