قالت امنة بوعياش رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ” … إن إمكانات الذكاء الاصطناعي هائلة، لكن مخاطره كذلك كبيرة. فالمعلومات المضللة تُهدد ديمقراطياتنا ومبدأ المساواة. كما أن تقنيات التزييف العميق تُشوّش الحدود بين الحقيقة والزيف وقد توجه الاختيار وقد تؤدي الانحيازات الخوارزمية إلى إعادة إنتاج أشكال التمييز، بل وحتى إلى تضخيمها . إذ لم تعد البنيات التحتية الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات مساعدة ، بل أصبحت تؤثر في السلوكيات، وتتحكم في إبراز المحتويات، وتُعيد تشكيل التفاعلات الاجتماعية. بناء على ذلك، نقترح وثيقة ختامية لمؤتمرنا، نسجل من خلالها انشغالاتنا وإحداث فضاء حوار منتظم يجمع بين فاعلين وباحثين من مناطق تنتمي لدول الجنوب العالمي، وقد يشكل هذا الفضاء، إطارا للنقاش والتلاقي وتطوير مقاربات مشتركة لتعزيز المقاربات الحقوقية في مواجهة التحولات التكنولوجية المتسارعة ” .
جاء كلام بوعياش في عرض لكلمتها خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي في نسخته العاشرة المنظمة بالمدينة الحمراء يومي ال22 و23 ماي الجاري بمشاركة باحثين ، خبراء وقضاة من المغرب ، اسبانيا ودول من أمريكا اللاتينية . وقد نتاوب على القاء كلمات بالمناسبة ، إضافة الى امنة بوعياش ، كل من الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة ، مدير الحريات بوزارة الداخلية و Antonio Sorela أنطونيو صوريلا رئيس أكاديمية الريادة للتكوين المتقدم .
وأضافت بوعياش في مقارنتها بين المجالين العموميين التقليدي والرقمي قائلة ” نقف اليوم أمام تحولات بنيوية تضع مفهوم الديمقراطية التمثيلية أمام اختبارات غير مسبوقة، وإن كان المجال العمومي، في صيغته التقليدية، فضاء ماديا مرئيا، قابل للرصد والتنظيم، فإن جزءا كبيرا من النقاش العمومي، انتقل ويتزايد، يوم عن يوم، إلى فضاءات رقمية ، جمع مكثف للبيانات واستغلالها وتوجيهها، يطرح تحديات حول حرية الاختيار واستقلالية الأفراد والحق في الخصوصية، إنها فضاءات لا تخضع لمنطق الحدود ولا لآليات التنظيم ولا يمكن تقييدها بالقانون ، تدير النقاش العمومي عبر خوارزميات تحدد شروط الوصول إلى المعلومة، وتؤثر على العلاقة بين المواطن والفضاء العام وفي طبيعة النقاش العمومي ذاته. وتعرف البنية الديمقراطية بذلك، أشكالا متسارعة من التفكك تحت تأثير الثورة الرقمية، انتقلنا من فضاء عمومي مرئي وواضح إلى ما يمكن وصفه بـ “فضاءات عمومية متوازية”، تتعايش دون أن تتقاطع إلا نادرا، وتنتج سرديات سياسية متباينة تفتقر إلى المرجعيات المشتركة، وأشكال جديدة من التأثير العابر للحدود، حيث باتت الفضاءات الرقمية تتيح لفاعلين خارجيين أفرادا أو حتى شبكات غير نظامية ، إمكانيات التضليل والتأثير في النقاشات العمومية، والتأثير في المسارات الانتخابية ذاتها وأحيانا تشويه مصداقية او نتائج الانتخابات . وإذا كانت التحولات الرقمية قد أعادت رسم محددات تداول الخطاب المجتمعي ، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم، يمثل منعطفا نوعيا يمس البنية الجوهرية للفعل الديمقراطي ، بما يوفره من إمكانات صعبت التمييز بين الحقيقي والمصطنع، وسهلت حملات التضليل والتشويه ، وصارت بالتالي تحديا يمس الثقة المجتمعية، ومرجعيات التحقق، والأسس التي يقوم عليها النقاش العمومي ”.
