أسود الأطلس وجدوا الطريق… فمن يجرؤ على السير فيه؟

بواسطة الثلاثاء 30 يونيو, 2026 - 18:41

في كل مرة يحقق فيها المنتخب المغربي إنجازا جديدا، يتحقق معه حلم أكبر من الإنجاز نفسه. حلم إيجاد النموذج الإصلاحي المفقود، لتحقيق النقلة التنموية الشاملة، والقطع مع مغرب السرعتين، لأن ما يحدث مع المغاربة وهم يتابعون خطوات “أسود الأطلس” في كأس العالم 2026، لم يعد مجرد تشجيع للمنتخب الوطني في مباريات كرة القدم، بل أصبح موعدا مع الوعي الجماعي، يستحق أن يقرأ بعين المفكر أكثر مما يقرأ بعين المحلل الرياضي.
ملايين المغاربة قضوا ليلة بيضاء، سواء في بيوتهم أمام الشاشات أو في المقاهي ومناطق التشجيع، لمتابعة زئير الأسود أمام الطواحين الهولندية في موقعة تاريخية فوق أراضي المكسيك. مائة وعشرون دقيقة، وبعدها ركلات ترجيح. كانت درسا لشعب بأكمله، وهو يرى أبناءه يرفضون السقوط، ويؤمنون بأن الهزيمة ليست قدرا، وأن المستحيل ليس سوى فكرة يسكنها الضعفاء.
سالت دماء إسماعيل الصيباري فوق قميص المنتخب، ومزقت الالتحامات قميص شادي رياض مرات متتالية، وقاتل نصير مزراوي ببسالة الفرسان، وتألق بونو في الدفاع عن عرين الأسود، حتى جاء الفرج برأسية عيسى ديوب، أو “الشارجان عيسى” كما يحلو للمغاربة مناداته، وحسم المنتخب الموقعة بركلات الترجيح، بعد أن كان متأخرا بهدف في الدقائق الأخيرة من المواجهة، ليقدم درسا في معنى الانتماء، والروح القتالية، والوطنية الصادقة.
الجميل في الموضوع هو ما كشفه رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، قبل كل هذه المشاهد البطولية التي أبدع الأسود في رسمها أمام أنظار العالم.
قبل شدهم الرحال الى الولايات المتحدة الامريكية، لا أحد من اللاعبين فاوض على المال.
لا أحد منهم سأل عن حجم المكافآت.
لا أحد اشترط مقابلا حتى يحمل قميص الوطن.
في زمن أصبحت فيه لغة الأرقام تطغى على كل شيء، خرج هؤلاء اللاعبون ليقولوا إن هناك أشياء لا تشترى، وإن العلم الوطني لا يدخل إلى سوق المزايدات.
هنا يجب أن نتوقف.
ليس للتصفيق… بل للتفكير.
كيف نجح المغرب في بناء هذا الجيل؟
كيف استطاع أن يجعل نجوما يعيشون في أكبر العواصم الأوروبية، ويلعبون في أقوى البطولات العالمية، يعتبرون الدفاع عن المغرب شرفا يتقدم على كل الحسابات؟
السؤال الحقيقي ليس: لماذا فاز المنتخب؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا نجح المنتخب، بينما تعثرت قطاعات أخرى في تحقيق الأثر نفسه؟
قد تختلف الإجابات، لكن من الصعب تجاهل حقيقة واحدة: النجاح لا يولد بالصدفة، بل تصنعه الرؤية، وتصونه المؤسسات، ويقوده أشخاص يؤمنون بالمشروع قبل أن يؤمنوا بالمكاسب.
في المنتخب الوطني، لا ترى أحدا يبحث عن بطولة شخصية، ولا لاعبا يحاول أن يكون أكبر من القميص. الجميع يركض في الاتجاه نفسه، ويضحي من أجل الهدف نفسه، ويؤمن بأن نجاح الفرد لا قيمة له إذا سقط الفريق.
أليست هذه هي الفلسفة التي تحتاجها بلادنا في ميادين أخرى؟
كم من قطاع تعثر لأن المصالح الشخصية انتصرت على المصلحة العامة؟
وكم من مشروع فقد روحه لأن الصراعات الصغيرة كانت أكبر من الحلم الكبير؟
وكم من حلم كبير استنزفته الحسابات الضيقة حتى أصبح عاجزا عن صناعة الأمل؟
أليس جديرا بنا أن نتعلم من القيم التي صنعت هذا المنتخب: الانضباط، والجدية، وروح الفريق، وربط المسؤولية بالنتائج، والإيمان بأن خدمة الوطن ليست موسما انتخابيا ولا خطابا مناسباتيا، بل سلوكا يوميا.
لقد أثبت “أسود الأطلس” أن الإنسان هو الاستثمار الحقيقي، وأن المشاريع الكبرى تبدأ ببناء الروح والقلب، والثقة، ولعل أهم ما كشفته هذه التجربة هو أن الوطنية ليست شعارات ترفع في المنصات، ولا خطبا تلقى أمام الكاميرات، ولا مزايدات على مواقع التواصل الاجتماعي. الوطنية هي أن تنزل إلى الميدان، وأن تتألم مع وطنك، وأن تقاتل حتى آخر دقيقة دون أن تسأل: ماذا سأربح؟
هذا الجيل لم يمنح المغرب انتصارا رياضيا فقط.
لقد أعاد تعريف الوطنية بلغة يفهمها الجميع.
لغة الدم الذي سال ولم يوقف صاحبه.
ولغة القميص الذي تمزق ولم يتراجع مرتديه.
ولغة اللاعب الذي جاء من أوروبا ليقول إن جذوره ليست تصنيفا في جواز السفر، بل جزء من هويته ووجدانه.
لهذا، فإن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نحتفل ثم ننسى.
علينا أن نضع هذه التجربة تحت المجهر، ونبحث عن “كلمة السر” التي صنعت هذا التحول. كيف بنيت الثقة؟ كيف تشكل الانتماء؟ وكيف تحولت الرؤية الملكية، حين وجدت الكفاءات والإرادة والإصرار، إلى نتائج يراها العالم كله؟
ربما يكون هذا هو الدرس الأهم.
المغرب لا يعاني من نقص في الطاقات، بل يحتاج دائما إلى مشاريع تجمعها، وإلى ثقافة تجعل خدمة الوطن شرفا قبل أن تكون امتيازا.
لقد وجد “أسود الأطلس” الطريق…
ويبقى السؤال الكبير: هل تمتلك القطاعات المتعثرة الشجاعة لتسلكه؟

صورة محمد العدلاني

آخر الأخبار

التشغيل في برامج الأحزاب.."البام" يتعهد بتخفيض البطالة إلى 7 في المائة وإطلاق "أفق لكل شاب"
في الوقت الذي لم يتمكن التحالف الحكومي الذي هو عضوا فيه، من تحقيق هدف إحداث  مليون منصب خلال الولاية الحكومية التي ستنتهي بعد اقتراع 23 شتنبر، مكتفيا ب850 ألف منصب فقط، عمد حزب  “الأصالة والمعاصرة”،حسب برنامجه الانتخابي،  إلى وضع الشغل والبطالة في صلب أولويات برنامجه الانتخابي لاستحقاقاته التشريعية، متعهدا بخلق مليون منصب شغل صاف على […]
سيول جارفة تحاصر سيارة للنقل المزدوج بين تنغير وإملشيل ونجاة ركابها بأعجوبة
علمت (أحداث أنفو) أن ركابا كانوا على متن سيارة للنقل المزدوج، أمس الأحد، عاشوا لحظات صعبة بعدما حاصرت السيول الجارفة السيارة التي كانوا على متنها على الطريق الوطنية رقم 12 الرابطة بين تنغير وإملشيل،حيث مكنت التدخلات من إنقاذ جميع الركاب. وحسب مصادر مطلعة فقد باغتت السيول المركبة بمنطقة باكدال، بالقرب من قصر أكدال، حيث جرفت […]
التشغيل في برامج الأحزاب.. "الأحرار" يعد بإحداث مليون منصب  وتمكين شباب "  NEET "
أجرت أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية العديد من التغييرات على برنامجها فيما يخص التشغيل.يأتي ذلك في الوقت الذي لم يتمكن هذا التحالف المكون من “الأحرار” و”البام” و”الاستقلال” من تحقيق مليون منصب شغل، كما وعد ذلك من خلال برنامجه الحكومي، مكتفيا بإحداث 850 منصب شغل غير فلاحي،حسبما تصريح سابق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش.ارتباطا باستحقاقات 23 شتنبر التشريعية، […]