نصف النهائي… حين انتصر القلب قبل النتيجة

بواسطة الخميس 15 يناير, 2026 - 16:12

لم تكن مباراة نصف نهائي كأس الأمم الإفريقية مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم، كانت امتحانًا طويلًا للأعصاب، ومرآةً لذاكرة جماعية مثقلة بالانتظارات، وحكاية شعب تعلّم أن يفرح بحذر… لكنه حين يفرح، يفرح بكل قلبه.

وجهي بينهم… ووجوههم فيّ

أنا واحد من هذا الجمع. لا أكتب من مدرج الصحافة البارد، بل من مقعد القلب الساخن. من بيت مغربي يشبه آلاف البيوت، حيث تختلط الدعوات بالتحليل، والصمت بالتنهيد، والابتسامة بالخوف. عشنا الضغط منذ البداية. كنا متفائلين، نعم… لكن التفاؤل عند جيل الستينيات والسبعينيات ليس ساذجًا؛ هو تفاؤل جُرّب كثيرًا، وانكسر كثيرًا، ثم عاد يتشكل بصبر.

هذا الجيل يعرف معنى الانتكاسة، خصوصًا في كرة القدم. يعرف كيف تُبنى الأحلام، وكيف تُهدم أحيانًا بصفارة، أو تفصيل تحكيمي، أو لحظة غدر كروي. لذلك، ومع مرور دقائق البطولة، بدأ الإحساس بصعوبة الطريق يتسلل. كنا نؤمن بالمنتخب، لكننا نخشى التاريخ.

بيننا حديث قبل العاصفة

في الأيام التي سبقت المباراة، كان التواصل مستمرًا مع زملاء رياضيين تقاسموا معي هذا القلق الجميل. حديثي مع “جلول التويجر” و”منعم بلمقدم”لم يكن عابرًا. كان حديث ذاكرة، وحديث جيل. التفاؤل كان حاضرًا بقوة، لكن تحته قلق مشروع، كأننا نردد في سرّنا: اللهم لا تتركنا نعيد الألم نفسه.

حلقة أبكت المغاربة

قبل نصف النهائي، تأثرتُ بعمق بإحدى حلقات منعم بلمقدم عقب انتصارنا على الكاميرون في ربع النهائي. لم تكن حلقة تحليل تقني فقط، كانت اعترافًا إنسانيًا. حين عاد بذاكرته إلى 1988، إلى كأس إفريقيا التي نظمناها في بلادنا، إلى الهزيمة القاسية أمام الكاميرون، لم يتحدث كمحلل، بل كابن هذا الوطن.

تحدث عن الظلم التحكيمي، نعم… لكنه ذهب أبعد. تحدث عن والديه، عن الآباء والأمهات الذين انتظروا طويلاً لحظة فرح كاملة. بكى… وأبكى معه كل من تابع. في تلك اللحظة، كان منعم مهنيًا، وكان مغربيًا حتى الدموع. عبّر عن كل المغاربة الذين حملوا كرة القدم كأمل صغير وسط خيبات كبيرة.

ليلة الدعاء… ومباراة الأعصاب

أمس، قبل المباراة، لم نحلّل كثيرًا. دعونا. هذا الجيل يعرف أن بعض المباريات لا تُكسب بالخطة فقط، بل بالطمأنينة. مواجهة نيجيريا كانت صعبة، مضغوطة، ثقيلة. منتخب عنيد، تاريخ حاضر، وخصم لا يمنحك المساحة ولا الوقت.

الدقائق تمر ببطء. الأنفاس محبوسة. كل تمريرة محسوبة. كل هجمة نيجيرية تُعيدنا إلى ذاكرة قديمة، وكل تدخل مغربي يُعيدنا إلى الأمل. كنا نعيش المباراة بقلوبنا لا بأعيننا فقط.

حين انتصرنا… انتصر الوطن

وحين جاءت لحظة الفرج، لم يكن الانتصار تقنيًا فقط. كان نفسيًا، تاريخيًا، وجدانيًا. انتصرنا… وانتصر معنا كل المغاربة. في الشوارع، في البيوت، في المقاهي، في القرى البعيدة كما في المدن الكبيرة. أعلام، زغاريد، دموع، عناق غرباء يعرفون بعضهم دون أسماء.

كانت فرحة عمّت الوطن، لأنها لم تكن فرحة مباراة، بل فرحة استعادة الثقة. فرحة جيل قال: لم نُخلق لنخسر دائمًا. وفرحة شباب قال: نحن نكتب تاريخًا جديدًا.

وجوه لا تُنسى

في تلك الليلة، رأيت وجوهًا كثيرة:

– وجه الأب الذي صمت طويلًا ثم ابتسم.

– وجه الأم التي دعت بصوت خافت ثم زغردت.

– وجه الصحافي الذي نسي مهنيته لحظة، ليكون مغربيًا فقط.

– ووجهي أنا، بين كل هذه الوجوه، ممتنًا لكرة القدم لأنها منحتنا أخيرًا لحظة صدق.

خاتمة الحكاية المفتوحة

نصف النهائي لم يكن النهاية. لكنه كان تصالحًا مع الذاكرة، وجرحًا قديمًا بدأ يلتئم. اليوم، ونحن نكتب هذه السطور، ندرك أن المنتخب لم يمنحنا فوزًا فقط، بل أعاد لنا حقنا في الفرح الكامل.

وفي بلاد تعبت من الانتظار، يصبح الانتصار لحظة حياة… لا تُنسى.

آخر الأخبار

توقيف عشرينية بآسفي بعد نشر فيديوهات تهدد رجال الامن وتحرض على استهلاك الأقراص المهلوسة
تمكنت عناصر المصلحة الإقليمية لشرطة القضائية بمدينة أسفي، يوم الاثنين 8 يونيو الجاري، من توقيف سيدة تبلغ من العمر 20 سنة، من ذوي السوابق القضائية، وذلك للاشتباه في تورطها في التحريض على استهلاك الأقراص المهلوسة وإهانة موظفين عموميين بسبب تأديتهم لمهامهم. وكانت المشتبه فيها قد أقدمت على نشر شرائط فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تحرض […]
بالصور: بحضور أزولاي وبنعلي.. السفارة الأمريكية بالمغرب تخلد الذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة
أكد سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى المملكة المغربية، Duke Buchan، أن الاحتفالات المنظمة بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة شكلت فرصة لتجديد التأكيد على عمق العلاقات التاريخية التي تجمع الرباط وواشنطن منذ ما يقارب 250 عاماً. وأوضح السفير الأمريكي، في تدوينة نشرها عقب الحفل، أن الأمسية عرفت حضور شخصيات بارزة وضيوف مميزين وشركاء وأصدقاء، مشيراً […]
بوانو.. من "الريع البرلماني" الى اللعب بالنار
لا يختلف اثنان على أن عبد الله بوانو، البرلماني الذي تعاقبت على حسابه البنكي أموال دافعي الضرائب لأزيد من 19 سنة داخل قبة البرلمان، قد تحول إلى عبء ثقيل على المغاربة. عقدان من الزمن لم يشهد فيهما الرأي العام من هذا الكائن السياسي سوى استغلال الصفة الدستورية لتصريف أحقاد وحسابات زعيمه عبد الإله بنكيران، وممارسة […]