“الحالة المغربية” بين الرياضة والسياسة

بواسطة الجمعة 23 ديسمبر, 2022 - 20:08

AHDATH.INFO

على مدى الشهر الماضي، وطيلة فعاليات بطولة “كأس العالم” لكرة القدم 2022، التي إستضافتها دولة قطر، شاهد الجميع حالة جديدة ليست في كرة القدم فقط، بل على صعيد التفاعل العربي مع إنجازات المنتخب المغربي لكرة القدم في البطولة، حيث أكتسبت وسائل التواصل الإجتماعي العربية باللون الأحمر دعماً للمنتخب الذي حقق إنتصارات كروية لم تكن تدور بخيال أكثر العرب تفاؤلاً.

“سير سير سير” التي تغنت بها الشوارع والمدن العربية على مدى نحو أيام، باتت شعار التقدم للأمام وإحراز الأهداف، في إطار يعكس رغبة عربية جماعية وحاجة ملحة إلى نجاحات ترفع الروح المعنوية للشعوب وترتقي بسقف طموحات الشباب في منطقة تعاني بشكل مزمن من الإحباطات والأخبار السلبية التي لا يحد منها سوى طاقات الأمل والنور التي تشع في بضعة نماذج تنموية عربية ناجحة سواء في الإمارات أو السعودية أو قطر.

مع كل تأثير الأمل الذي تحمله نجاحات بعض العرب فإنه يبقى لكرة القدم سحرها وبريقها، ويبقى للإنتصار فيها بصمات عميقة وكبرى في نفوس الشباب على وجه الخصوص، رغم كل ما يروج له المتطرفون وأنها “مؤامراة غربية” وغير ذلك من سخافات يدحضها حضور رؤساء وكبار مسؤولي الدول الغربية لمباريات منتخباتهم وتشجيع لاعبيهم على الفوز، حتى أن رئيس الولايات المتحدة قطع اجتماعاً كان يحضره، للمشاركة في فوز منتخب بلاده على إيران!.

“الحالة المغربية” التي عشناها جميعاً، هي حالة إيجابية تسهم بشكل هائل في تغيير الصورة النمطية التقليدية السائدة عن العرب والمسلمين، وتدعم الإنطباع الإيجابي الذي خلفته الإستضافة القطرية المميزة للبطولة عالمياً، حيث تردد اسم المغرب كمنتخب قوي لبلد عربي مسلم يناطح أقوى الفرق الكروية العتيدة عالمياً، بل إن فرصه للوصول إلى المباراة النهائية للبطولة كانت قائمة حتى منتصف الشوط الثاني من مباراته مع فرنسا ورغم الهزيمة بهدف، حيث وقف الحظ معانداً لاعبي الفريق ليرسم سقفاً لطموحات واعدة لجيل واعد من اللاعبين الذين باتت أسمائهم معروفة في كل ربوع المنطقة والعالم بإصرارهم الذين لا يلين ومهاراتهم التي تفوق الكثير من المنتخبات العريقة في اللعبة الأشهر عالمياً.

الحالة المغربية هي حالة ستبقى وليست محطة عابرة في تاريخ الرياضة بمنطقتنا العربية، والأمر هنا لا يتوقف على كرة القدم، فقد كسر اللاعبون المغاربة حجز الطموح، وارتقوا بالأحلام، التي لم يعد لها بعد الآن سقف، حيث لا مستحيل و لا حدود لو توافرت إرادة الفوز والإنتصار، وهذه هي الروح التي نحتاجها في منطقتنا سواء في الرياضة أو غيرها كي تخرج دولنا من كبوتها ويشعر الشباب بالأمل في المستقبل، وهذه هي القوة المضادة للإحباط واليأس الذي يراهن عليها المتطرفون والإرهابيون في تجنيد عناصر جديدة لصفوفهم، وهي المصل الذي يمكن أن ينفخ في منطقتنا روحاً جديدة ونظرة مغايرة للمستقبل.

كرة القدم بشكل خاص والرياضة بشكل عام هي حالة مضادة ولقاح يكافح التطرف والتشدد، وقد نجح المنتخب المغربي في وضع كرة القدم العربية في موقع المنافسة العالمية، وهذا أمر جيد للغاية، ونتوقع أن يتم إستثمار هذا الإنجاز، ليس على مستوى المملكة المغربية فقط، بل أيضاً على مستوى بقية دول المنطقة.

يقول البعض إنه لا يجب تسييس الرياضة، ولكن الواقع يقول إنها مسيسة بالفعل لأنها تتعلق بحياتنا وسعادتنا ومشاعرنا، وكل ذلك يقع في قلب السياسة، فقرارات تشكيل الفرق وأخبار الإنتصارات وإحراز الأهداف تفوق في تأثيرها أحياناً بل في معظم الأحيان مفعول القرارات السياسية، ذات الصلة الوثيقة بحياة الناس، لأن الأهداف تمنح الجميع جرعات فورية من السعادة الجماعية تفوق أي قرارات أخرى قد يكون لها هدف مماثل لتحقيق السعادة، وهذه إحدى عجائب كرة القدم ومفاعيلها السحرية التي جعلت منها ساحرة القلوب والعقول!

الحالة المغربية التي تحولت إلى حالة عربية بل حالة عالمية، تبقى حالة إستثنائية في تفردها وتأثيراتها وليس في تكرارها مستقبلاً، فالبعض يقول إن منتخب المغرب قد وحد العرب وجمعهم بنجاح يفوق أي حدث سياسي، فقد حقق ما فشلت فيه القمم العربية والمؤتمرات التي عقدت بالمئات وتزينت بالشعارات، ووسائل الإعلام التي أنفقت عليها المليارات، كل ذلك فعلته أهداف وانتصارات كروية جمعت العرب من المشرق للمغرب، واللافت أن كل ما يتردد عن الحساسيات العربية قد تلاشى، وذابت الخلافات السياسية التي صوتت الشعوب بإنكارها ونفي أي صلة لها بها.

نجح لاعبو المغرب أيضاً في غرس مفاهيم وصور نمطية إنسانية رائعة في نفوس الجميع، ولاسيما الشباب، حيث ستبقى صور أشرف حكيمي وسفيان بوفال مع والدتهما رمزاً إنسانيا رائعاً لوفاء الابن، وقيمة الأمومة، ونشراً لثقافة تحتاجها الأجيال الجديدة وسط طوفان من الغث والسمين من المحتوى الإعلامي والترويجي والثقافي الذي يحاصر الجميع.

الحالة المغربية دعمت في حقيقة الأمر الإنطباعات والصور النمطية الجديدة، التي تلقاها العالم أجمع، شرقاً وغرباً، حول العرب والمسلمين، ولاسيما النساء، فنساء العرب ليسوا نساء “القاعدة” و”داعش” بل هم جزء من واقع مجتمعي تابعه العالم أجمع في ملاعب قطر وشوارعها وفي كافة المدن العربية التي خرجت احتفالاً بفوز المنتخب المغربي، وكأنه فوزاً لمنتخباتهم في إحساس ربما لاتجد له نظيراً سوى بين العرب، الذي تجمعهم في حقيقة الأمر مشاعر وروابط تحدثت الأدبيات السياسية عنها كثيراً ولكننا لم نراها سوى في وقائع تاريخية نادرة منها ما كشفت عنه “الحالة المغربية”.

آخر الأخبار

منية بالعافية تستنطق التاريخ والأسطورة في روايتها "عيشوا لأجل آلهتكم"
في إصدار أدبي لافت يمزج بين عبق الأسطورة وشذرات التاريخ، أطلقت الكاتبة والإعلامية المغربية منية بالعافية روايتها الجديدة “عيشوا لأجل آلهتكم” (المركز الثقافي للكتاب 2026)، لتقدم من خلالها نسيجا سرديا يغوص في تعقيدات النفس البشرية وصراعات السلطة. تدور أحداث الرواية في فضاء مكاني يدعى “إيغود”، وهو عالم يبدو للناظر من الخارج واحة من السكينة والاستقرار، […]
حلم العدالة المجالية حين يتحول إلى ورش للنهضة والكرامة
التحولات الكبرى التي تشهدها الأمم، تبرز قرارات لا تقاس بمجرد أثرها الإداري المباشر، وبحجم إعادة رسم خارطة المستقبل.والمغرب اليوم، يمضي بثبات نحو تفعيل جيل جديد من برامج التنمية الترابية، لا يقوم بمجرد إجراء تقني أو مراجعة عابرة لهياكل بيروقراطية؛ بل هو في جوهره انتقال نوعي وشامل في فلسفة الدولة، وعهد جديد يقطع مع زمن المركزية […]
الثورة الـ 210 مليار درهم.. خارطة طريق مغربية لإنهاء البيروقراطية وبناء أقطاب جهوية منتجة
بين رهانات التمويل وضوابط الحكامة، يفتح المغرب ورشا استراتيجيا لتحديث التنمية الترابية بغلاف مالي يصل إلى 210 مليار درهم. في هذا الحوار، يحلل الدكتور محسن الجعفري، الباحث في الاقتصاد السياسي، أبعاد الانتقال نحو ‘منطق المقاولة’ في تدبير الجهات، وكيفية موازنة شركات المساهمة الجديدة بين النجاعة الاستثمارية والخدمة العمومية، في ظل سياق ماكرو-اقتصادي يطمح لفك الارتباط […]