في ظل النقاشات الوطنية الدائرة حول الانتخابات التشريعية المقبلة، قدمت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ورقة موقف تؤطّر فيها رؤيتها الحقوقية لمجمل متطلبات تنظيم الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في إطار احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وأوضحت المنظمة في ورقتها التي توصل موقع “أحداث أنفو”، بنسخة منه، على أن الانتخابات هي تجسيد عملي لمبدأ الديمقراطية، الذي يكفله الدستور ويحض عليه القانون، وهي مدخل أساسي لمشاركة المواطنين في الحكم وإدارة الشأن العام.
ولضمان نزاهة الانتخابات وصدقيتها، أفادت المنظمة أن هناك مجموعة ضوابط وشروط دولية نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات دولية أخرى، منها ضمانات الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحق في المراقبة المستقلة، إلى جانب حماية حقوق التعبير، والتنقل، والمشاركة السياسية.
وتستند رؤية المنظمة إلى ستة مبادئ رئيسية مستخلصة من خلال العديد من الإعلانات والاتفاقيات والقرارات الدولية، وهو ما يتجلى من خلال أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 21)، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 25)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
وأضافت المنظمة أن قانونية الانتخابات، تشمل الشفافية، المنافسة العادلة بين الأطراف، توعية الناخبين بحقوقهم، والرصد المستقل للعملية الانتخابية، كما توجز المعايير الدولية للانتخابات في ضمان حق المشاركة عبر انتخابات دورية ونزيهة، وضمان الحريات الأساسية المرتبطة بها، واحترام مبادئ الشرعية والعدالة والمساءلة، مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة المغرب الانتخابية التي تراكمت عبر الاستحقاقات التي شهدتها البلاد منذ 1963، مؤكدة التقدم الحاصل رغم الانتقادات المستمرة المتعلقة بالتقطيع الانتخابي، وحياد السلطات المحلية، وموضوع المال السياسي، وغيرها.
وترى المنظمة أن خطاب العرش لسنة 2025 قد وضع خارطة طريق متجددة لدعم الاستحقاق التشريعي المقبل، مؤكدًا على ضرورة وضع المنظومة الانتخابية قبل نهاية السنة، وتنظيم مشاورات واسعة.
ولهذه الاعتبارات، قدمت المنظمة الحقوقية مجموعة توصيات واضحة تهدف إلى توطيد المسار الديمقراطي عبر منظومة انتخابية أكثر شفافية وعدلاً، منها: إجراء الانتخابات وفقاً للقانون؛ تنظيم الانتخابات في إطار من الشفافية والانفتاح وقابلية المساءلة؛ ضمان المنافسة بين مرشحين/ات و/أو أطراف سياسية بالشكل الذي يعكس الآراء السياسية المختلفة في البلد؛ جعل المنافسة الانتخابية، عادلة، وضامنه لتكافؤ الوصول إلى الموارد العامة؛ وتوعية الهيئة الانتخابية بأهمية الانتخابات، وبحقوقها الانتخابية؛ ثم السماح بالمراقبة المستقلة للانتخابات.
ومن أجل تحديد دقيق لمضامين الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة والحق في الاقتراع، أفادت المنظمة أن اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية في إطار أشغال الدورة السابعة والخمسين سنة 1996 على إصدار التعليق العام رقم 25 الذي يستشف من خلاله ستة مبادئ أساسية تعتبر معايير دولية للانتخابات وهي ضمان حق المشاركة من خلال الانتخابات الدورية والنزيهةو الاقتراع العام ، وحق الترشح للانتخابات والمساواة في التصويت وحق الاقتراع والاقتراع السري وحرية تعبير الناخبين عن إرادتهم، كذا ضمان الحريات من خلال حرية الرأي والتعبير وحرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية وحرية انضمام إلى النقابات وحرية التنقل وحرية التمتع بكافة الحقوق والحريات من دون تمييز وحرية وحق اللجوء الفعال إلى القانون، إضافة احترام مبادئ الشرعية والشفافية والشرعية والشفافية والأغلبية النسبية والعدالة ثم الوعي.
وفي سياق متصل قدمت المنظمة مقاربتها الحقوقية للانتخابات التشريعية، موضحة أن المغرب شهد منذ الاستقلال تنظيم مجموعة من الاستحقاقات الانتخابية التشريعية والجماعية، أثارت العديد من الملاحظات سواء فيما يتعلق بالإطار القانوني المنظم لها، أو بالتقطيع الانتخابي، أو دور السلطات المحلية ومدى حيادها، أو أدوار الأحزاب السياسية، أو استعمال المال، أو نوعية النخب وأدوارها، أو بمستوى وحصيلة عمل المؤسسات المنتخبة…
وأبرزت أنه من خلال التجارب الانتخابية السابقة، وبناء على تقارير متعددة، يمكن القول بأنه على الرغم من التعددية السياسية التي تميز المشهد الحزبي بالمغرب والتي تعد من المكتسبات الدستورية منذ سنة 1962، وعلى الرغم من انتظام ودورية الانتخابات، رغم الإصلاحات الدستورية والقانونية والسياسية التي شهدتها بلادنا…، إلا أن جميع المحطات الانتخابية منذ الانتخابات التشريعية لسنة 1963 لم تخلُ من انتقادات ومؤاخذات من هذا الطرف أو ذاك، وهذا ما تؤكده العديد من التقارير سواء منها الصادرة من أحزاب سياسية أو منظمات حقوقية وطنية أو منظمات دولية حكومية وغير حكومية.
ولتجاوز مجموع الانتقادات والمؤاخذات المسجلة بخصوص الاستحقاقات الانتخابية التي شهدتها بلادنا في محطات متعددة، أكدت المنظمة على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالي.
وفي هذا الإطار، دعت وزارة الداخلية إلى الإعداد الجيد، للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين.”.
ومساهمة من المنظمة المغربية لحقوق الإنسان في تجويد المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات التشريعية من منطلق المقاربة الحقوقية، طالبت المنظمة بتفعيل مقتضيات الوثيقة الدستورية ولا سيما أحكام الفصل 11 الذي يؤكد على أن “الانتخابات الحرة والنزيھة والشفافة ھي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي .
وشددت على أن السلطات العمومية ملزمة بالحياد التام إزاء المترشحين، وبعدم التمييز بينھم، لأن القانون يحدد القواعد التي تضمن الاستفادة، على نحو منصف، من وسائل الإعلام، والممارسة الكاملة للحريات والحقوق الأساسية، المرتبطة بالحملات الانتخابية، وبعمليات التصويت. وتسھر السلطات المختصة بتنظيم الانتخابات على تطبيقھا، كما يحدد شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات، طبقا للمعايير المتعارف عليھا دوليا .
وفي هذا الإطار طالبت بمعاقبة كل شخص خالف المقتضيات والقواعد المتعلقة بنزاھة وصدق وشفافية العمليات الانتخابية، بمقتضى القانون، وبتوسيع دائرة المشاورات التي تشرف عليها وزارة الداخلية، لتشمل إلى جانب الأحزاب السياسية، المؤسسات الدستورية الوطنية المعنية، والمنظمات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني التي ساهمت في عملية الملاحظة الانتخابية؛ واعتماد تقطيع انتخابي يراعي الاعتبارات المجالية والديمغرافية الجديدة وذلك ضمانا لتمثيلية عادلة ومنصفة؛ واعتماد نمط اقتراع يضمن حماية التعددية؛ واعتماد البطاقة الوطنية كشرط وحيد للمشاركة في الانتخابات، واعتماد التسجيل الإلكتروني المباشر لجميع المواطنات والمواطنين البالغين سن الرشد القانوني استنادا على المعطيات التي توفرها المنصة الرقمية الخاصة بالبطاقة الوطنية للتعريف التي تشرف عليها المديرية العامة للأمن الوطني، وكذا تعزيز التمثيلية السياسية للنساء من خلال الزيادة في عدد المقاعد المخصصة للوائح الجهوية، ومنح تحفيزات مالية للأحزاب السياسية التي ترشح النساء على رأس اللوائح الانتخابية المحلية، والتوجه نحو ضمان الثلث في أفق تحقيق المناصفة التي أكد عليها دستور المملكة؛ وضمان مشاركة فعلية لمغاربة العالم تمكنهم من حقهم في التصويت والترشيح تفعيلا لمقتضيات الفصل 17 من الدستور.
وفي الإطار ذاته، دعت المنظمة إلى وضع مقتضيات قانونية صارمة تحقق سقف النفقات المخصصة للحملات الانتخابية وضوابط صرفها، ضمانا لتكافؤ الفرص بين كافة المرشحات والمرشحين وتفاديا لاستعمال المال بشكل غير مشروع في استمالة أصوات الناخبين؛ ومنع استغلال الأطفال دون سن الرشد القانوني في الحملات الانتخابية؛ وتيسير عمل المنظمات التي تقوم بالملاحظة الانتخابية، وتمكينها من جميع الوثائق والمعلومات والشروط التي تتطلبها الملاحظة الانتخابية؛ وضمان الولوج العادل لكافة الهيئات السياسية لوسائل الإعلام العمومية، بما من شأنه تحقيق تكافؤ الفرص بين الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية،.
ولضمان نزاهة الانتخابات طالبت باشتراط الإدلاء بشهادة الإبراء الضريبي كوثيقة مرفقة بملف الترشيح وهو ما من شأنه أن يساعد على حماية المال العام؛ والنص في القانون على مانع جديد من موانع الترشيح يتمثل في صدور حكم قضائي نهائي يدين أحد الأشخاص بتهمة التبذير واستغلال واختلاس الأموال العامة؛ وتوسيع حالات التنافي لتشمل الجمع بين عضوية مجلس النواب ورئاسة الجماعات الترابية، وعضوية الحكومة، وذلك تفاديا لكثرة الجمع بين الانتدابات مع ما قد يطرحه من إشكالات عملية على مستوى الممارسة؛ ثم تعزيز صلاحيات القضاء والنيابة العامة فيما يتعلق بالجرائم الانتخابية بما من شأنه المساهمة في تطبيق القانون وتخليق الحياة السياسية.
وشددت المنظمة الحقوقية على أن رؤيتها حول الإستحقاقات المقبلة و سُبل جعلها استحقاق غير مرتبطة بموعد انتخابي دستوري، بل بلحظة يتم فيها تعزيز مسارات الإصلاح المؤسساتي من مقاربة حقوق الإنسان، بشكل يجعل التنافس الإنتخابي ليس لحظة عابرة في المسار المؤسساتي بالمغرب، بل لحظة تقطع مع كل الممارسات السابقة التي كانت تشوب الإنتخابات و يتم إثارتها في كل مناسبة.
