التنمية المجالية المندمجة: ورش ملكي وانتظارات مجتمعية

بواسطة الجمعة 1 أغسطس, 2025 - 21:52

في سياق تنزيل التوجيهات الملكية الواردة في خطاب عيد العرش لهذه السنة، والتي دعا من خلالها الملك الحكومة إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية. بغاية الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة، بما يعزز العدالة في مستوياتها الاجتماعية والمجالية، ويستجيب للحاجيات الحقيقية للمواطنين. أصدرت وزارة الداخلية بلاغا عقب لقاء رسمي بمدينة تطوان يوم الجمعة فاتح غشت الأخير، جمع وزير الداخلية بعدد من الوزراء المعنيين في قطاعات مختلفة: التجهيز، التربية الوطنية، الصحة، الإسكان، الفلاحة، الإدماج الاقتصادي، إلى جانب الولاة والعمال، لبحث السبل الكفيلة بضمان التنزيل السليم لهذا الورش الملكي الطموح.

وبحسب ما جاء في البلاغ، فإن الاجتماع ركز الاجتماع على وضع أسس مشتركة بين مختلف القطاعات الحكومية، تضمن تنمية ترابية تجمع بين الشمولية والاندماجية والالتقائية.

إن هذا المشروع وبالنظر إلى التوجيهات الملكية يجب أن يعتمد فلسفة مغايرة للمشاريع التنموية السابقة. بحيث عليه أن يراعي الاحتياجات الأساسيىة والملحة للمواطنين، حتى نتجنب ما أشار إليه الخطاب الملكي من مفارقة السير بسرعتين مختلفتين.

وبالتالي فإن تجليات ثمار هذا المشروع مستقبلا لا يجب أن تكون فقط على مستوى الأرقام والنسب المئوية، بل يجب أن يؤكدها المواطنون كذلك من خلال الارتياح العام المتأتي من انعكاس مخرجاتها على معيشهم اليومي.

وبقراءة لبلاغ وزارة الداخلية، نلمس وعيا صريحا أو ضمنيا بالتقاط الإشارات الملكية، وذلك من خلال التبئير على قضايا : الشغل، الخدمات الاجتماعية الأساس، الماء، التأهيل الترابي.

فعلى مستوى التشغيل، يجب الخروج من منطق تقديم الأرقام التي تفيد خلق مناصب شغل جديدة، كما دأبت على ذلك وزارة التشغيل في الحكومات المتعاقبة، بما فيها الحالية، لأن هذه الأرقام تخفي حقيقتين:

تتعلق الأولى بتعمد تجنب الحديث عن مناصب الشغل الضائعة، والتي تساهم في رفع نسب البطالة، وتتعلق الثانية بأنها أغلب مناصب الشغل المحدثة هي مؤقتة، مما يقتضي التفكير في نموذج للتشغيل يحقق الاستدامة.

وإذا انتقلنا إلى مجال الخدمات الاجتماعية الأساس، فإن المكاشفة تقتضي القول إن وصول المواطنين إلى هذه الخدمات ليس بتلك الانسيابية المطلوبة، فلقد أصبح التعليم والسكن والصحة بمثابة الهاجس الأول للمغاربة.

إن تدني الخدمات الاجتماعية الأساس، وصعوبة الوصول إليها خصوصا في المناطق القروية والجهوية، لهو من المؤشرات الدالة على أن التوازنات الماكرو اقتصادية المطلوبة، تكون في أحيان كثيرة على حساب التوازنات الاجتماعية، التي هي الأساس الحقيقي لأي استقرار.

فيما ملف الماء وتدبير الندرة المائية، والبحث عن موارد مائية مستدامة بدورها، يتطلب اعتماد إدارة استباقية للموارد المائية لمواجهة تحديات الجفاف والتغير المناخي.

إن هذه التحديات تتطلب التوفر على رؤية واضحة تنهل من فلسفة مخرجات لجنة النموذج التنموي الجديد، والتي يمكن اعتبارها خارطة طريق لبناء الدولة الاجتماعية المنشودة، وهذه الرؤية لا يمكن تنزيلها إلا عبر مشاريع للتأهيل الترابي المندمج، يجعل من أولوياته تحسين البنية التحتية والخدمات بالمناطق المهمشة، وناقصة التجهيز.

وكما أكد بلاغ وزارة الداخلية، فالضرورة أصبحت ماسة لتوحيد جهود الفاعلين المحليين وضمان التنسيق والتكامل بين البرامج والسياسات العمومية وفق مقاربة تشاركية، مع التركيز على حكامة النتائج وقياس الأثر الملموس لهذه السياسات على حياة المواطنين.

فقياس الأثر الملموس على حياة المواطنين، هو الرهان الأساس، والذي عبر عنه الخطاب الملكي، بالمفارقة بين تحسن الأرقام والمؤشرات، وبين عدم انعكاس ذلك على حياة المواطنين من حيث تحسين الدخل والقدرة على الادخار والإحساس بالأمن الاجتماعي، مما يعني وجود خلل على مستوى العدالة الاجتماعية والمجالية.

وحين نقرأ بلاغ الداخلية، ومخرجات هذا اللقاء، نجد ثمة وعي بخطورة التحذيرات الملكية إذا لم يكن تدخل في الوقت المناسب وفي مدة قياسية حتى لا يتسع الخرق على الراقع.

كما تؤكد هذه المخرجات أن التحذير الملكي لم يكن وليد الخطاب الأخير، بل سبقته توجيهات سابقة عبر الأطر التي تنظم علاقة الملك بالسلطة التنفيذية، وهو ما يتجلي في سرعة التجاوب مع الخطاب الملكي الأخير.

إن هذا البلاغ الصادر عن وزارة الداخلية بعد اجتماع شاركت فيه قطاعات وزارية متعددة، يحمل اعترافا ضمنيا بضعف المقاربات السابقة للتنمية الاجتماعية، والحاجة إلى استراتيجية جديدة أكثر شمولية وفعالية. تعتمد الاستباقية والمواكبة والتقويم.

وعلى هذا الأساس فإن التنمية المجالية أضحت أولوية وطنية قصوى، لارتباطها المباشر بالعدالة الاجتماعية، التي هي أساس الاستقرار في عالم مضطرب.

غير أن النجاح في رهان إدراك تنمية مجالية مندمجة ومستدامة، لن يكون فقط بإطلاق البرامج، وتعبئة الموارد المالية واللوجيستية التي تتطلبها، بل يتطلب الأمر مواكبتها بخطط تقويم تساعد على التدخل في الوقت المناسب عند بروز الاختلالات. فالتجارب السابقة أبانت عن قصور في آليات التقويم والمواكبة، مما أدى إلى هدر للزمن والإمكانيات والموارد. ولذلك على القائمين على مثل هذه البرامج أن يتمترسوا بثقافة النتائج، إذ قيمة البرامج بإدراك الأهداف، وليس بإطلاقها.

ولقد كان من أعطاب البرامج التنموية السابقة هو غياب الالتقائية عنها، بحيث كانت تلك البرامج تبدو وكأنها جزر معزولة، وأحيانا تصطدم برامج وأولويات قطاع ما، مع برامج وأولويات قطاع آخر، أو ان تجد برنامجا واحدا موزعا على عدة قطاعات دون رؤية موحدة، وبمتدخلين مختلفين لا يعرفون بعضهم البعض، فيتم الاهتمام الزائد ببرنامج فيما يتم إهمال آخر، هذا رغم وجود وزارة للالتقائية.

ولذلك فإن أي استراتيجية للتنمية المجالية المندمجة تتطلب تعزيز التنسيق بين الوزارات والسلطات المحلية لتفادي التداخل والازدواجية في السياسات العمومية.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن البلاغ واعد، باعتبار المقدمات التي طرحها، والتي يمكن حصرها في: المرجعية الملكية، إشراك قطاعات وزارية مرتبطة بالسؤالين المجالي والاجتماعي، الانطلاق من غائية تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، الالتقائية.

غير أن ثمة أمور يجب الانتباه لها من قبيل ضرورة الإسراع بالإعلان عن التفاصيل الإجرائية، وآليات التمويل، والتي ينبغي أن تكون محددة بقوانين واضحة، تساعد على المواكبة والمساءلة والمحاسبة.

كما أن أي تأخر في الكشف عن البرامج الإجرائية، والإعلان الفعلي عن انطلاقتها، قد يعيد إنتاج أوضاع سابقة، بحيث حماس البدايات سرعان ما يتراجع، مما يساهم في الإحباط ويقوي النزعات العدمية. خصوصا أن التجارب السابقة في الالتقائية غير مشجعة، مما يقتضي تغيير ثقافة القائمين على تدبير الشأن العام نحو الوعي بأن زمن القطاع الحكومي المنغلق على ذاته قد ولى.

إن اختيار وزارة الداخلية كقاطرة لهذا المشروع ليس اعتباطيًا، فهو من جهة يدل على الثقة الملكية بها، فبعد أن كلفها بمهمة إعادة تأهيل القطيع الوطني للماشية، وبعد أن وجهها لفتح المشاورات حول المحطات الانتخابية القادمة، حملها مسؤولية التنسيق لهذا الورش الملكي الوطني، ففي مدة زمنية وجيزة كانت الوزارة هي الأكثر تكليفا من طرف الملك بملفات استراتيجية.

ومن جهة أخرى فإن قيامها بقيادة هذا التنسيق بين القطاعات الوزارية المختلفة يعود لمركزيتها وخبرتها في تدبير الشأن الترابي، فمن خلال على الولاة والعمال تشرف على التنسيق بين مختلف المصالح الخارجية للوزارات، ما يمنحها قدرة فعلية على توجيه وتنسيق البرامج التنموية على المستوى الجهوي والمحلي. كما أنه لضمان تحقيق الالتقائية بين الفاعلين، فإن قيادتها لهذا الورش يتقى منطقية باعتبارها الجهة الوحيدة التي تمتلك سلطة فرض التنسيق الإجباري بين القطاعات الوزارية والجماعات الترابية. لأن القيادة على هذا المستوى تخضع للخبرة التقنية، وليس للتجاذبات السياسية، وهو ما يتوفر في وزارة الداخلية باعتبار تجاربها السابقة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ووضع قاعدة البيانات الخاصة ببرامج الحماية الاجتماعية.

إن الاهتمام الملكي بالتنمية المجالية المندمجة والمستدامة يدل على بعد نظر يتجاوز خطابات الاطمئنان، وينتبه إلى أن النجاحات على مستوى تطوير البنيات التحتية، وجذب الاستثمارات، وتأهيل الاقتصاد الوطني، لا يمكن أن تستمر في غياب توازنات اجتماعية ومجالية، وأن حتى تلك النجاحات تظل مهددة في استدامتها إذا لم ترفق بتنمية مجالية تدمج البعدين الاجتماعي والاقتصادي، ويكون لها أثر ملموس على حياة الأسر، مما يقوي المناعة الاجتماعية التي هي ركيزة أساس من ركائز السلم الاجتماعي، الذي تحتاج له أي دولة صاعدة.

آخر الأخبار

بمساعدة الروبوت ومتبرعين أحياء .. أطباء مغاربة يخوضون تجربة رائدة في زراعة الكلى
سلط البروفيسور عبد الجليل حداث، مدير تخصص جراحة المسالك البولية بمؤسسة محمد السادس لعلوم الصحة، الضوء على أهمية التحولات العميقة التي يشهدها الطب المعاصر، والمتمثلة في الإدماج المتزايد للتقنيات عالية الدقة في مختلف التخصصات، ومن بينها زراعة الكلى. وفي سابقة طبية على المستوى الوطني تحمل توقيع كفاءات مغربية، تمكن البروفيسور حداث و فريقه الطبي من […]
الطاقة والمواد الأساسية واحتياطي العملة الصعبة محور اجتماع أخنوش بلجنة تتبع تداعيات التوترات بالشرق الأوسط على المغرب
ترأس رئيس الحكومة، السيد عزيز أخنوش، يوم الثلاثاء 28 أبريل 2026 بالرباط، اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط على الاقتصاد الوطني، حيث تم الوقوف على توفر المخزون الطاقي، والتأكيد على أن تموين السوق الوطنية من المواد الفلاحية والمواد الأساسية يمر في ظروف عادية. وفي مستهل الاجتماع، قدمت مختلف القطاعات عروضا حول […]
إدريس الروخ يعود بـ"الحفرة".. رواية تغوص في عتمة النفس
يواصل الفنان المغربي إدريس الروخ توسيع حضوره في عالم الكتابة السردية بإصداره الروائي الجديد “الحفرة”، مؤكدا انتقاله المتدرج من خشبة المسرح وعدسة السينما إلى فضاء الرواية، حيث تتسع إمكانيات التعبير عن الأسئلة الفكرية والجمالية. العمل، الصادر عن مطبعة ووراقة بلال، وبتقديم من وليد سيف، يأتي امتدادا لتجربة الروخ السابقة “رداء النسيان”، غير أنه يحمل نفسا […]