أثار الانقلاب العسكري في النيجير والتدهور الأمني في عدد من البلدان المجاورة كمالي وبوركينافاسو المخاوف المغربية من التدهور الأمني في منطقة الساحل والصحراء ظل عودة مافيات التهريب والجماعات الارهابية الى نشاطها بشكل مكثف.
فقد سبق أن حذرت العديد من التقارير الأمنية الى ان ضعف الجيوش النظامية بدول المنطقة وانسحاب القوزات الفرنسية بل والأممية من المنطقة سيكون في صالح الجماعات الارهابية التي بدأت في التمدد في القارة السمراء مستغلة تحالفها مع مافيات التهريب وبيع السلاح واحتمالات تواطؤها مع الانقلابيين.
وينضاف الى ذلك الخطر التي تشكله جبهة البوليساريو الانفصالية على الامن في المنطقة, وهي التي اعتبر احدى الجماعات الانفصالية المتواطئة مع مافيات التهريب والارهاب بالمنطقة, كما أكد ذلك الخبير الفرنسي في الاستراتيجيات الجيوسياسية، جيروم بينارد، في مقال رأي نشرته وسيلة الإعلام (كوزور.إف إر) مؤخرا، وقال فيه أن +البوليساريو+ هي منظمة “إجرامية'' و''خطيرة” على الأمن الإقليمي في شمال إفريقيا., مشيرا أنها لا تزال تشارك في عمليات تهريب مختلفة في الصحراء، مما يساهم في زعزعة استقرار الفضاء الصحراوي.
الوضع في النيجير سيزيد الطين بلة, خاص بعد التطورات الأخيرة التي تمهد لحرب في البلد الذي أعلن فيه قادة الانقلاب عن إغلاق المجال الجوي بعد انتهاء المهلة التي حددتها لهم الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس) لتسليم السلطة أو مواجهة تدخل عسكري.
وكانت إكواس أمهلت العسكريين في 30 يوليوز أسبوعا لإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم إلى منصبه., وهي المهلة التي انتهت منتصف ليل الأحد الاثنين (23,00 ت غ)، ولم يبد الانقلابيون الذين تحكموا في السلطة في 26 يوليوز حتى الآن أي نية في التراجع.
وهدد الانقلابيون بأن أي محاولة لخرق المجال الجوي ستواجه “برد قوي وفوري“., وحذر بيانلهم أن “أي دولة مشاركة ستعتبر طرفا في القتال“.
وكان نحو 30 ألفا من مؤيدي الانقلاب احتشدوا في العاصمة نيامي الأحد في عرض قوة قبل ساعات من انتهاء المهلة ملوحين بأعلام النيجر وروسيا وبوركينا فاسو، بحسب مراسلي وكالة فرانس برس.
وردد شاب “اليوم هو يوم استقلالنا الحقيقي”، فيما هتف الحشد “تسقط فرنسا، تسقط إكواس“.
ورسم قادة جيوش “إكواس” الجمعة الخطوط العريضة لخطة “تدخل عسكري محتمل” بعد اجتماع ليومين في العاصمة النيجيرية أبوجا، وقد أبدت بعض دول المجموعة مثل السنغال وساحل العاج استعدادها للمشاركة في التدخل.
وأدان جميع شركاء النيجر الغربيين والأفارقة الانقلاب، لكن العسكريين الانقلابيين تلقوا دعما من نظرائهم في مالي وبوركينا فاسو الذين وصلوا أيضا إلى السلطة من خلال انقلابين في عامي 2020 و2022، وقد اعتبرت باماكو وواغادوغو أن أي تدخل في النيجر سيكون بمثابة “إعلان الحرب” عليهما.
وقال البلدان اللذان تم تعليق عضويتهما في هيئات “إكواس” إن أي تدخل مسلح في النيجر سيعتبرانه “إعلان حرب” عليهما أيضا، وسيؤدي إلى انسحابهما من الجماعة الاقتصادية.
كذلك، اعلنت تشاد المجاورة التي تعد قوة عسكرية مهمة، عدم مشاركتها في أي تدخل عسكري. وقال وزير دفاعها داود يايا إبراهيم “تشاد لن تتدخل عسكريا أبدا. لقد دافعنا دائما عن الحوار. تشاد وسيط”. ومعلوم أن تشاد ليست عضوا في إكواس.
وفي بنين المجاورة للنيجر، أكد وزير الخارجية أولشيغون أدجادي بكاري أن الدبلوماسية تظل “الحل المفضل”، لكنه قال إن بلاده ستحذو حذو إكواس إذا قررت التدخل.
وأعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنه ضد أي تدخل عسكري في النيجر المجاورة.
وقال في مقابلة تلفزيونية مساء السبت “نرفض بشكل قاطع أي تدخل عسكري”، مضيفا أن مثل هذا العمل سيشكل “تهديدا مباشرا للجزائر“.
في ظل هده التطورات , تتربص الجماعات الارهابية بدول المنطقة, وهي التي سبق أن دشنت عمليات ارهابية واسعة النطاق في دول المنطقة منذ أشهر ،وذلك بعد أن عزز “جهاديون” مرتبطون بتنظيم الدولة الإسلامية موقعهم في منطقة شمال شرق مالي الاستراتيجية، ما سمح لهم بالتمدد إلى النيجر وبوركينا فاسو المجاورتين.
ووفق تقارير اعلامية, فقبل الانقلابات بدول المنطقة الثلاثة, وسع تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى هيمنته بشكل كبير في المنطقة الشاسعة والنائية والقاحلة المعروفة بالمثلث الحدودي حيث تلتقي حدود ثلاث دول.
واستغل الجهاديون الفراغ الذي خلفته مغادرة الجنود الفرنسيين العام الماضي، بحسب الخبراء، فقتل عناصرهم مذاك مئات المدنيين وارتكبوا انتهاكات عديدة.
واعتبرت سيطرتهم منذ أشهر على قرية تيديرميني الواقعة حوالى 75 كلم شمال مدينة ميناكا آخر انتصار يسلونه ضمن عملية ناجحة في منطقة ميناكا ضد خصوم تنظيم الدولة الإسلامية.
وأصدر تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى فتوى في مارس 2022 تحل العنف ضد داوساهاك ومصادرة ممتلكاتهم.
وبحسب “هيومن رايتس ووتش”، هاجم عناصر المجموعة عشرات القرى وارتكبوا مجازر بحق عدد كبير من المدنيين في شمال شرق مالي في الأشهر التي تلت.
وقالت المجموعة الحقوقية إن “هذه الهجمات استهدفت إلى حد كبير مجموعة داوساهاك العرقية“.
وتفيد الأمم المتحدة بأن أكثر من 30 ألف نازح انتقلوا إلى مدينة ميناكا خلال العام الماضي.
وأفاد مسؤول عسكري مالي فرانس برس أن “التنظيم يشر ع نهب مجتمعات المتمر دين وحشد المقاتلين من جميع أنحاء المنطقة الذين تجذبهم المكاسب ومن ثم شن هجمات واسعة واكتساح العدو“.
وفي المناطق المحتلة، يجبر السكان على الخضوع لحكم الشريعة ودفع “زكاة” مقابل الحصول على الحماية.
وفي صفوف المجتمعات المهمشة، استفاد تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى من السخط السائد ضد الدولة التي يرى كثيرون أنها فشلت في الإيفاء بالعقود الأمنية والاجتماعية.
وقال وزير الدفاع النيجري السابق كالا موتاري إن الجهاديين “يتبنون خطابا يلقى آذانا صاغية — إن هم يجن دون ويعز زون مواقعهم وينتشرون تدريجيا“.
وبحسب المحلل لدى معهد المؤسسات الأميركي ليام كار، فإن تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى سيستخدم منطقة ميناكا كقاعدة دعم لتكثيف عملياته في منطقة الحدود الثلاثية.
وقال إن “تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى يتمد د غربا في مناطق شمال مالي وشمال شرق بوركينا فاسو التي لم يتنازع عليها منذ خسر في مواجهات مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عام 2020“.
وتعتبر منطقة وسط النيجر عرضة للخطر أيضا وهي عبارة عن ممر عرضه 200 كلم بين مالي ونيجيريا حيث نشط قطاع طرق ومهربو أسلحة على مدى عقود.
وفي تقرير عام 2021، لفتت مجموعة الأزمات الدولية إلى الخطر المتزايد لـ”تحول قطع الطرقات إلى عمل جهادي“.
ويحذر خبراء أيضا من تعزيز العلاقات عبر مجموعات إجرامية نافذة عبر الحدود بين تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا الذي ينشط في شمال شرق نيجيريا.
وقال كار إن “الزيادة المتزامنة في أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا على طول الحدود النيجيرية سيعزز سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على طرفي الطرق الرابطة بين المجموعتين وسيشكل ضغطا على الموارد النيجيرية عبر تشكيله تهديدات على جانبي البلاد“.
للاشارة, كشف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخد رات والجريمة في تقريره للعام 2023 الذي نشر منذ أسابيع في نيامي عن تورط الجماعات المسلحة الانفصالية والارهابية في عمليات تهريب المخدرات في منطقة الساحل موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد.
وقال التقرير أن تهريب المخدرات استمر في الازدهار في منطقة الساحل بفضل الجماعات المسلحة غير الحكومية التي تنشط هناك, مشيرا أن الكميات المحجوزة ازدادت من 13 كيلوغراما في السنة بين العامين 2015 و2020، و35 كيلوغراما في العام 2021 إلى 863 كيلوغراما في العام 2022.
وسجلت أكبر العمليات التي تم حجزها في بوركينا فاسو (488 كلغ) ومالي (160 كلغ) والنيجر (215 كلغ) و”قد لا تكون سوى جزءا من فيض تدف قات أكبر بكثير غير مكتشفة”، وفق التقرير, مشيرا إلى أن تهريب المخد رات في معظم بلدان الساحل تنظمه “جماعات إجرامية بهدف الربح“.
وأوضح التقرير أن هذه الجماعات المسلحة التي انضمت إلى الشبكات التقليدية للمتاجرين، تمو ل نفسها بشكل خاص من خلال دفع الضرائب والرسوم الأخرى مقابل الحماية أو المرور الآمن عبر المناطق التي يسيطرون عليها.
و منذ سنوات، تواجه مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي ثلاث من أفقر دول في العالم، عصابات مسل حة أو جماعات جهادية مرتبطة بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى.
