مريم آيت أحمد تكتب حول تعديلات المدونة ومستقبل فقه الموازنات بين نساء المغرب

بواسطة الإثنين 20 يناير, 2025 - 11:23

 

نوهت  العديد من النساء المغربيات  باقتراحات تعديلات مدونة الأسرة الجديدة خاصة في  مسألة بقاء الزوجة في بيت الزوجية بعد وفاة الزوج او الطلاق.

ولعل هذا الموضوع أحدث لحساسيته جدلا واسعا  بين كافة مكونات الأسرة المغربية التي تضم المرأة والرجل والطفل  .فهل تحفظ هذه المقترحات موضوع الدراسة حقوق كل المواطنات المغربيات ؟ أم أن فيها لمسة تحيز لمجموعة نسائية دون أخرى ؟ نعلم جيدا ان الاجتهاد الفقهي  يحتاج الى مقاربة شرعية تشمل برؤية تكاملية غير تجزيئية كل الحقوق والواجبات الشرعية المؤسسة للأسرة في الاسلام.

بما فيها تحميل الرجل واجب النفقة عن الزوجة والابناء ومن هم في عهدته بعد وفاة الوالد كالأم والاخوات؛ فقد كفل الشرع حق الإرث بنصيبين للرجل بما أوجب عليه من  إنفاق على أهله بعد رحيل الأب  كأمه وإخوته الصغار  وأخواته دون رميهم للشارع .فكان  حظ الذكر بقسميتين  مقترن بواجبه الشرعي كمكلف باستمراية الانفاق على من تركوا في عهدته  أما اختا عمة جدة ….كافلا لهم بعد رحيل الأب .ومن تم فالمسألة بالنسبة لنا نحن نساء  المغرب مقرونة بمبادئ تشريعية إسلامية تحافظ على سلامة التكافل  الأسري برؤية شرعية تكاملية غير تجزيئية بعد غياب الأب . وعلى فرضية اعتبار أننا نسير على خطى العدالة  في حماية حق المرأة هل نقبل على أنفسنا بتفاضل الحقوق بين فئة وفئة أخرى من النساء ؟ هل تسعد امرأة بحقوق وتهمش امرأة وكلاهما  مواطنات مغربيات في حاجة لحماية مستقبلهن من الوان الاقصاء والمظلومية التي قد يتعرضن لها ؟! أم اننا نقر مقترحات تعديلات اعتمدت مقاربة تجزيئية تحيزية لفئة دون اخرى؟

 

لاشك أن التعديلات ناقشت بشكل واضح وتقييم أحادي الهدف والمآل مصالح المرأة المتزوجة التي يمتلك زوجها بيت الزوجية مما يخول لها حق العيش الكريم وأطفالها بعد الوفاة او الطلاق  . الى هنا فالأمر فيه   صون لكرامة الزوجة التي  ربت وسهرت على ابنائها و بيتها ليخق لها استمرار العيش الكريم داخله بعد غياب زوجها  . لكن المقترحات غفلت الحديث عن نسبة هائلة من النساء المغربيات لايدخلن ضمن هذا الوضع الاجتماعي الخاص بحالات دون أخرى !! أذ لم يتم  التطرق لوضعية المرأة المتزوجة التي تعيش تحت سقف بيت الإيجار ان غاب عنها زوجها ! وقد شاهدنا اليوم في وسائل الاعلام ضرب رجل مسن صاحب بيت لامرأة مطلقة في بيئة معوزة هشة  ضربا مبرحا مع ركل لطفلتها الصغيرة بلا رحمة ولا شفقة  لأنها لم تؤدي ماعليها من واجب كراء شهري لغرفتها !!! فهذه  التعديلات لم تناقش فئة واسعة من حالة اجتماعية لعازبات غير متزوجات وهن يمثلون شريحة واسعة داخل المجتمع المغربي  أي مصير لهن بعد وفاة الاب  ؟؟ التعديلات  لم تلامس وضعية أم الزوج المتوفى  وحمايتها من التشرد بعدما كانت تحت كفالته في حياته .بحيث لم تضمن حقها في العيش المشترك تحت سقف بيت ابنها  بعد حيازة الزوجة  لبيت الزوجية ؟! فهل يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية متوازنة إذا استثنيا حالات اجتماعية لنساء دون اخريات ؟

الاحصائيات السكانية سجلت  نسب النساء العازبات الغير متزوجات في المغرب  فمامصيرهن بعد غياب الأب أو الاخ المعيل لهن ؟ كذلك احصت نسب الأسر التي تسكن في بيوت الإيجار فما وضعن بعد غياب الزوج بالوفاة أو الطلاق مع حالات البطالة والازواج تحت خط الفقر  ؟!!!

 ايضا لو احصينا نسب النساء المطلقات والارامل والمهجورات  والأمهات العازبات من يكفل لهن حقوقهن واطفالهن ؟؟ ..

بمعنى أن الحاجة ملحة لوضع راهنية الحالات على اختلاف مستوياتها  أمام اللجنة المكلفة حتى تكون الدراسة مستوفية للبيئة موضوع الدراسة؛ والتي تحتاج الى مقاربات متعددة اجتماعيا لمواكبة أوضاع فئات نسائية هشة ينتظرن حلولا  واقعية تنزيلية؛ تحميهن وتدافع عن مصير حقوقهن المجهول المآل على أرض الواقع .

ان تدارس مشروع تعديلات منفصل عن سياقات اجتماعية  واقعية تحمي كل الاطراف دون تحيز او تجزيء ؛ لايمكن إلا أن تساهم  في  خلق  جدل مجتمعي سيؤدي  بتجاذباته الواسعة إلى إحداث نوع من الانقسامات المتباينة الوجهات داخل الأسرة المغربية الكبيرة  الأمر الذي قد يزعزع ثقة الشباب في مؤسسة الزواج ككل !  فحين يطلب من الزوج ترك بيت الزوجية للأم وأطفالها والانفاق عليهم مع منحها حق الحضانة في حالة الزواج برجل آخر وهي في بيته الذي لازال يدفع أقساطه . ايظن المشرع المغربي أن هذا البند اذا حول لقانون سيشجع أبناءنا على تسجيل عقود  الزواج ! لأن عقد  الزواج في هذه الحالة قد يعتبره البعض منهم مهددا لمصير  حياتهم  بعد الطلاق!! . اذ لن يتمكن المطلق بعد خروجه من البيت وتحمله ديون مشتركة لاقساط البيت او غيره ؛ من تأسيس أسرة جديدة حياة كريمة  مستقبلا !

إن  السياقات الواقعية  لبيئتنا المغربية لايمكن فصلها عن القيم  المبنية على الاخلاق الإسلامية التي تركز على قيمة التكافل الأسري والذي به عشنا تاريخيا ومازلنا  تعيش  به اليوم نحن آلاف الأسر المغربية اليوم . حيث يتكفل الأخ بأخواته وأمه وعمته وجدته … ويتكفل الأبن بزوجته وأمه وعائلته المعوزة من الأقارب داخل بلده وفي غربته …

هذا النوع من  التكافل الاجتماعي  لايمكن مقارنته بوضع  مجتمعات أخرى لها منظومتها الفلسفية والقيمية المغايرة لمبادئنا وثقافتنا الإسلامية . حيث  يتجرد فيها الابن عن تحمل اعباء أسرته بمجرد بلوغه سن 18 عام وخروجه من البيت للدراسة او الزواج!! . فتدخل  مباشرة هياكل مؤسسات الدولة والضمان الاجتماعي على الخط .لحماية من هم في كفالتها من آباء وامهات وابناء قصر تحقق لهم ظروف العيش الكريم. اليوم حين نناقش قضية مكتسب احتفاظ الزوجة ببيت الزوجية بعد الطلاق أو الوفاة . علينا ان تفكر  بصوت عال  ونتساءل عن وضع الزوجة في بيت زوجية رهين بإيجار .ان لم يؤديه الزوج اصلا في حضوره يطرده صاحب البيت  بعد ثلاثة أشهر  . مابالك بالنسب العالية وهي الاكثر  من النساء اللواتي لا يملك ازواجهن بيوت تمليك  ؟!!!  ومامصير البنات العازبات الغير متزوجات من الاخوات ؟ ومامصير  الأمهات اللواتي كن تحت كفالة الزوج  قد ترميهن الزوجة  للشارع بعد  وفاته ؟!!!

 

كم من اخ يتكفل بأمه وأخواته البنات بعد وفاة والده في هذا البلد المغربي الاصيل القيم التكافلية  . لكن للاسف    مؤسسات الضمان الاجتماعي المغربي  لاتحمي هذا الحق ولا تناضل الجمعيات النسائية حول استحقاقاته حين يتوقف راتب الابن العازب او المطلق  المتوفى بدون ابناء  ؛ لتقفل صناديق الضمان الاجتماعي المغربية  ابوابها  في وجه هذه  الفئة الهشة من النساء  و تحرم تلك الأم او الاخوات العاطلات عن العمل أو الصغيرات في حيازته عن تلك الكفالة .وتحرمهم من لقمة عيش كريم بعد وفاته !!!   وبالتالي فإن النضال الحقيقي لحماية حقوق المرأة ينبغي ان يكون متكافئ الفرص في مستوياته لكافة أنماط الحالات الاجتماعية النسائية دون تحيز لصنف من النساء دون الآخر .فكل امرأة مغربية هي ام لنا وأخت وعمة وجدة وزوجة ابن وزوجة اخ ….. على هياكل الدولة أن تسعى بمؤسساتها الائتمانية الضمانية الاجتماعية للحفاظ على حقها في ضمان العيش الكريم  .  إذ لا يقبل   تشخيص ظرفية  حالة بعينها  في إطار  منفرد وتجعل منه قالبا موحدا يسري على كافة حالات النساء الاجتماعية المغايرة !!

ومن تم فمقاربة هذا التعديل لم تكن شمولية برؤية  تشاركية لكافة شرائح وحالات الوضع النسائي  لضمان حقوق الأسرة المغربية وفق منظور تكاملي في الرؤى الاستراتيجية بمآلات  متوازنة ومخرجات مناصفة مستقبلية .  ان المقاربات الاجتماعية في مجتمعاتنا العريقة  بعاداتها الثقافية وقيمها  الأسرية التكافلية الجمعية الأصيلة؛ تحتكم لسياقات مغايرة عن الأنماط الحضارية لمجتمعات لاتكافلية. تعتمد كليا على هياكل الدولة الاجتماعية في حماية حقوق الأسرة والطفولة .  فتاريخانية اللحمة الأسرية المسلمة في العالم  لايمكن ان نجتزأ منها اليوم أجزاء مستقلة؛ لخلق واقع  يحتكم  لمنظومة  أخلاقية فردانية مفصولة عن  قيمها التضامنية التكافلية . وإلا سنرى مآلاتها في الشوارع بعد حين إذا لم نحمي حقوق الامهات ماقبل هذا التعديل واللواتي قد  يطردن في الشوارع في ظل غياب  الابن الحاضن لهن ؛ ورفع يد هياكل مؤسسات الدولة عنهن !  وقد نجد ايضا بناتنا  العازبات في غياب الاخ  بلا  محضن ولا بيت يحميهن من جور قهر اليتم والعوز !!!.

  اظن أن المرأة المغربية الواعية اليوم برسالة ضمان الانصاف والعدالة لشقيقتها المرأة .عليها أن تراعي ظرفية كل النساء على اختلاف  حالاتها الاجتماعية ؛ بعيدا عن اي تحيز  يخدم مصلحة فئة  دون أخرى . فاذا كان القانون المغربي ينظم  توزيع التركة وفق الفرائض الشرعية، مما يمنح لكل وارث نصيبه المحدد.فيترتب  على ذلك أن بيت الزوجية يدخل ضمن قسمة التركة ؛ وفي حالة احتفاظ الزوجة به  يصبح ملكية مشتركة في ضمان حق الاستغلال العادل  بين الورثة لتحقيق  الأمن النفسي و السكني لجميع الاطراف  دون تحيز . فبيت سعته ألف متر هو غير بيت سعته 50 متر . وبيت قيمته الملايير هو غير بيت قيمته 200.000 درهم !!  وكما ينص القانون المغربي على ضرورة مراعاة الأوضاع الاجتماعية والإنسانية لكل الأطراف ويفضل حل النزاعات عبر التفاهم أو الوساطة القضائية ؛ هنا ينبغي ان تمنح للسلطة القضائية اشتراط ضمان الاتفاق الودي بين الورثة بتوقيع مشترك قبلي ؛ تضمن فيه الزوجة حق العيش المشترك لمن كن تحت كفالة الزوج  في بيت الزوجية قبل وفاته أما كانت أو أختا عازبة.

إن عقلية نون النسوة  اليوم .تفرض علينا التعامل بحكمة في اهم مكونات المجتمع وهي نواة الأسرة  التي بها نضمن السلم المجتمعي بوعي مؤطر بآليات ودعامات تشريعية شرعية قانونية اقتصادية سوسيوثقافية وفق مقاربات تكاملية؛  واعية بجهود المشرع المغربي في دعمه ومناصرته لحقوقها . مع هندسة مقاييس فقه موازنات حمائية تصون الحقوق برؤية جمعية عادلة غير تجزيئية  تفصل الحقوق الفردية عن الحقوق الجماعية ؛ الأمر الذي سيعززسلمنا الاجتماعي الداخلي؛ ويبعدنا عن  خلق ارتباك من نوع جديد لدى جيل الناشىة  من ابنائنا .قد يغرس في نفوسهم عقلية العزوف عن مؤسسة  الزواج خوفا من امكانية عدم التمكن من بناء  حياة جديدة  كريمة مابعد الطلاق لاقدر الله  !!

فيكون الأسلم  ترك الأمر اختياريا للزوج المطلق فإذا رأى في نفسه قدرة على ترك البيت للمطلقة الحاضنة يفعل ذلك. بالحسنى وعدم نسيان الفضل . وإذا رأى في نفسه أن المصلحة هي اخراج مقابل مالي للسكنى يحكم القاضي بذلك بعد تخييره ب.حيث  لا تكون المدونة الجديدة في هذه المسألة  ملزمة له على ترك بيت الزوجية للمطلقة وجوباً.

في حياته .لاسيما ان الملكية لايتم تحويلها ارثا وتمليكا بالطلاق وانما بالوفاة !  الأمر الذي سيحول دون تشجيع الأزواج على بناء بيت مستقر في المستقبل . وحرمان الأبناء من شراء بيت الزوجية اصلا تحسبا لمآلات مابعد الطلاق ..!!! الشباب اليوم له من الوعي في ظل زمن الثورة الرقمية ما قد يمكنه من التهرب من كل قيد يؤثر سلبا على مسار حياته المستقبلية .  وبالتالي فالاصل هو ان نربي أبناءنا وفق مناهج تربوية تعليمية تغرس فيهم قيم العدل والنيل والايثار والتكافل والإحسان وجبر الخواطر و عدم نسيان الفضل طبقا لمنهج الهدي الرباني في قوله تعالى (ولاتنسوا الفضل بينكم) .هذا الفضل الذي يوفر به  الزوج  إذا كان  موسرا  مسكنا لطليقته ويجعله في ملكيتها؛ من باب الإكرام لها  وليس من باب  الإلزام ..

فحالات العنف والظلم والقهر هي حالات  شاذة  لاتقاس على المؤمن الذي اقترن إيمانه بعمل الصالحات  . وكما نعلم ان الشاذ لا يقاس عليه ،ومن تم فالقاعدة القانونية لتلائم تنظيراتها تطبيقاتها بتنزيل واقعي سليم  لا بد أن تأخذ حكم الأغلبية والاطراد.مع جلب المصلحة ودرء المفسدة  لجميع مكونات الأسرة المغربية المرأة كما الرجل والاطفال .

 إن  المكتسبات الريادية  التي حققها المغرب في مناصفة المرأة تحت قيادة العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه . تروم لاصلاح مجتمعي يعمه الأمن النفسي ويحقق الاستقرار الاجتماعي  للمرأة للمراة المغربية صانعة الرجال ؛ وفق منظور استشرافي يحتكم  الى منطق العدالة والإنصاف في الرؤية والهدف والسياق والأنساق والمآلات المستقبلية لمجتمع تشبع بعبق بأجمل  إضاءات  التكافل الأسري  الذي أبهر كل زائر لهذا البلد وهو يسجل ادوار الأسر  المغربية المتلاحمة بموروثها التكافلي التضامني التاريخي العريق.

 

أستاذة التعليم العالي بجامعة ابن طفيل

رئيسة مركز انماء للأبحاث والدراسات المستقبلية

 

آخر الأخبار

بالصور.. من مواجهة الرجاء و الفتح ضمن منافسات الجولة السادسة عشرة من البطولة الاحترافية
المغرب يدين الهجوم المسلح الذي استهدف حفلا بواشنطن بحضور الرئيس ترامب
صرح مصدر من وزارة الشؤون الخارجيّة والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن المملكة المغربية تدين الهجوم المسلح الذي استهدف حفلا أقيم بواشنطن، وحضره رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فخامة السيد دونالد ترامب. وأضاف ذات المصدر أن المملكة المغربية، إذ تؤكد تضامنها مع فخامة رئيس الولايات المُتحدة، وعائلته، وكذا مع حكومة وشعب هذا البلد الصديق، فإنها تجدد […]
الصيباري يستنفر طاقم الأسود
استفسر الناخب الوطني محمد وهبي، طبيب المنتخب الوطني لكرة القدم كريستوفر دولوت عن طبيعة الإصابة التي تعرض لها إسماعيل الصيباري لاعب أيندهوفن الهولندي في مباراة فريقه ضد سبارتا روتوردام، والتي فرضت عليه الغياب عن اللقاءات الأخيرة لفريقه. ويتخوف الناخب الوطني محمد وهبي من خطورة إصابة إسماعيل الصيباري، والتي قد تحرمه من المشاركة مع المنتخب الوطني […]