العلامة والرمز في أعمال الفنان منير بنرقية

بواسطة الأربعاء 24 يوليو, 2024 - 10:42

تندرج التجربة التشكيلية الحالية لمنير بنرقية، في هذا المعرض (لبْدا Labda)، بشكل عام ضمن حقل التجريد، وضمن إنتاج دلالي وترميزي واضح يسعى إلى ترسيخ فكرة أو مفهوم الديمومة، ضمن رؤية فنية يطبعها التجريد كذلك، سواء الأعمال التي تتخذ من العلامة والرمز Le signe et le symbole وسيلة للتعبير عن محمولات ثقافية مَحلية (المخزون البصري للثقافة المغربية) موضوعا للوحة، أو تلك التي تعتمد تقنية الكولاج collage باستعمال مجموعة من المواد لتشكيل العمل الفني وخطاب اللوحة.

إذ تلج التجربة الفنية الجديدة لبنرقية في هذه المرحلة، أفقا دلاليا وتعبيريا تُسنده انجذابات وتأثرات خاصة بالتمثيلات البصرية والرمزية لثقافة الأصل (الثقافة الأمازيغية) من جهة، كذلك من خلال بحث تشكيلي على مستوى الرؤية والأدوات وصيَغ الإنجاز، يستحضر بشكل أساس العلامة والرمز كعناصر ومفردات تشكيلية مهيمنة على لوحات المعرض، من جهة ثانية. تماما مثلما حصل مع رائديْ الحداثة التشكيلية المغربية سابقا (الجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي)، بحيث تبدو تأثيرات هذين الفنانيْن الرائديْن واضحة وحاضرة بقوة في بعض الأعمال الحالية لمنير بنرقية.

من هنا، يستعيد الفنان، في معرضه الحالي، هذا الوعي المسبق بسؤال الهوية البصرية للثقافة الأمازيغية الأصيلة، وتفتنه تأشيرات العلامات المُحيلة إلى ذاكرة بصرية مترحّلة ومتجذرة في التاريخ، بإجراء تشكيلي يستحضر عناصر هذه الهوية والأوضاع المتبدلة والمتكررة للعلامة والرمز، وكذلك الأشكال الهندسية، داخل فضاء اللوحة ومساحتها التي تشيّدها أو تملأها عناصر ومفردات تشكيلية، في الغالب، ما تكون على شكل دوائر متناغمة، ومستطيلات ومربعات بألوان صارخة أحيانا (الأزرق والأحمر)، حتى حين تتخذ لها هذه العناصر أشكالا هندسية مبتورة وغير مكتملة، مع حركة تدوير واضحة في الكثير من أشكال هاته الرموز والعلامات. هي الأشكال التي يسعى الفنان إلى تعميق دلالتها من داخل المخزون البصري والعلاماتي لثقافته الأصلية، بتخومِ وتعبيرات مسيَّجة أو، بالأحرى، مطوَّقة ومحروسةً بالمُطْلق أحيانا، أو بنوع من عدم الاكتمال أحيانا أخرى.

هكذا تبدو هذه المرحلة من الإنجاز اللوني والتشكيلي لمنير بنرقية، بحثا استيعاديا للهوية والذاكرة الشخصية للفنان، وفي العلاَمة والتاريخ البصري للموروث الثقافي المغربي، بكل أبعاده ومحمولاته الثقافية والبصرية، بمكوناته الأمازيغية والإفريقية، المطبوعة أساسا بسلطة الرمز وتسييد العلامة. باعتبار الترميز في الفن هو شكل من أشكال التصوير، ثم تجسيدا لخطابات الثقافة والجسد وإشاراتهما داخل هذا الموروث، ومن ضمنها الخطاب الجمالي نفسه. هي التجسيدات التي ظلت مغيَّبة ومكبوتة في وعْيِنا ولا وعْيِنا الجمعي والفردي كذلك، تمحوها أو تحجبها خطابات أو تدوينات متعالية أخرى، ماكرة ومُبالِغة في اقتصادها وورعها الجمالي. ومِنْ ثَم، يتم القذف بسؤال الجسد في ارتباطه بالثقافة والهوية، كعلامة هائلة، باتجاه تعبيرات فنية قد تشير، بشكل أو بآخر، إلى نوع من الرمزية المغلقة، الدائرية والمستندة بشكل واضح إلى تقنية أو بلاغة التكرار العلاماتي.

ثم إن تقنية الترميز في هذه التجربة الفنية، كأبعاد فلسفية من أجل صياغة وتعميق وظيفة الأشكال والخطوط والأولوان وعلاقتها بالهوية والذاكرة، هي عمليات ذهنية وروحية، في الوقت نفسه، يكون الهدف منها تفكيك ماهية هذه العناصر الذاكراتية والهوياتية وأشكال القهر والحجب التي تُمارَس عليه. وهي اقتراب أو استنطاق أيضا لذلك المخزون الجمالي للثقافة المحلية، والذي يسعى إلى اختزال المتعدد في المفرد المتكرر، ويصلَ الماديَّ والرمزي بالجذور وبالبدايات، حيث يتشكل الرمز الثقافي كعلامة كبرى في التلقي وفي الرؤية التشكيلية للفنان، ومن ثَم، يحاول منير بنرقية تحرير ذاكرته من طوقها المتسيّد في الثقافة والتداول الدلالي والجمالي في آخر المطاف.      

في منحى آخر، تعتمد التجربة الصباغية الحالية للفنان منير بنرقية، ضمن عمليات إنتاج وتوصيل مضامينها الدلالية والجمالية، على الإمكانات التي يتيحها التمثيل الرمزي La représentation symbolique، باعتباره تدليلا signifiance  بصريا يتم إنتاجه وصياغته من داخل ثقافة محلية (المغرب)، بألوانها وثقافتها وجغرافيتها وأزمنتها وسجلاتها الطقوسية والحكائية بشكل أساس، حيث لا تقوم هذه العناصر بإنتاج دلالتها من خلال طاقتها الذاتية فحسْب، بل من خلال خُطاطات مُجرَّدة وتسنين codage مُسْبَق، يتجلى في مجمل المضامين والتعبيرات والقيم والأفكار التي أَسنَدَتْها الثقافة المحلية في مرحلة ما لهذه العناصر وأشكالها التعبيرية.

من هنا، وبالإضافة إلى تفسير ثقافي وجمالي ودلالي ممكن لهذه التجربة الفنية، فإن القراءة التأويلية لأعمال منير بنرقية، قد تكون هي القراءة الممكنة كذلك؟ باعتبار التجارب التجريدة في الفن، عكس التشخيصية، هي تدوينات بصرية رمزية وعلاماتية مفتوحة على اللانهائي وتَعدد الدلالات، ينبغي أن تُقرأ بفروض الفكر والعين، خاصة وأن هذه الأعمال تعتمد المرجعيات الفنية والثقافية والفكرية للفنان، وباقي الأساليب الممكنة التي توظف العلامة والرمز وبعض المواد والخامات ضمن رؤية فنية خاصة، بما في ذلك الحضور الترميزي للثقافة وسجِلاّتها الإشارية.

آخر الأخبار

بين ضجيج منصات التواصل وصدق الشارع… المحبة بين الشعوب هي التي تنتصر
بقلم: عبده الإدريسي بعد الفوز المستحق الذي حققه المنتخب الوطني المغربي على نظيره الهولندي، وما رافقه من فرحة عارمة بالتأهل، وجدت نفسي، كغيري من عشاق كرة القدم، أتابع ردود الفعل عبر منصات التواصل الاجتماعي. وبين سيل المنشورات والتعليقات، برزت أمامي صورتان متناقضتان تماما.الصورة الأولى تمثلها أقلية قليلة من الصفحات التي لا تزال تستثمر في خطاب […]
الأميرة للا أسماء تترأس حفل نهاية السنة الدراسية 2025-2026 لمؤسسة للا أسماء
ترأست صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء، رئيسة مؤسسة للا أسماء، اليوم الثلاثاء بمقر المؤسسة بالرباط، حفل نهاية السنة الدراسية 2025-2026 لهذه المؤسسة، التي ترسخ، سنة بعد أخرى، مكانتها كمرجع وطني ودولي في مجال مواكبة الأطفال الصم وضعاف السمع. ويعكس هذا الحفل الإرادة الموصولة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لضمان تكافؤ الفرص لجميع […]
تأهبا لموقعة كندا..بعثة الأسود تشد الرحال صوب هيوستن
تغادر بعثة المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، اليوم الثلاثاء، في اتجاه مدينة هيوستن الأمريكية، لمواصلة التحضيرات الجادة للمواجهة التي ستجمعه بنظيره الكندي، يوم السبت المقبل، لحساب ثمن نهائي البطولة. وخاضت العناصر الوطنية صباح اليوم حصة استشفائية داخل القاعة الرياضية بمقر الإقامة، ركزت على إزالة العياء وبدء عملية الاسترجاع البدني بعد المجهودات الكبيرة المبذولة في مباراة […]