مشكلة «صغيرة»!

بواسطة الثلاثاء 11 يونيو, 2024 - 08:41

«رأيك… خليه عندك!» هي ليست جملة خاصة بمراد المتوكل، قالها في لحظة تأفف لصحافي، في ندوة للمنتخب الوطني فقط. 

«رأيك… خليه عندك»، هي جملة يقولها المجتمع للمجتمع باستمرار، وهذا في كل المجالات دون أي استثناء حقا.

نقولها جميعا مثلا لمن يقول لنا رأيا مخالفا لرأي الجموع في قضية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. نصرخ كلنا في وجهه بنفس النبرة التخوينية: «رأيك خليه عندك»، ونمضي. 

نقولها لمن يقول لنا رأيا لا يروقنا في حكاية الحريات الفردية، (والعبد لله كاتب هذه الأسطر يستطيع أن يقدم شهادة صغيرة حول هذا الموضوع)، إذ نمس بعرض قائلها وبأسرته وبأخلاقه وبكل شيء يمسه، ونصرخ مجددا في وجهه «رأيك خليه عندك»، ونمضي. 

نقولها حتى في مجال الترفيه والرياضة لمن يقول رأيا في الكرة أو في غيرها من الرياضات يخالف الرأي الذي قررت الأغلبية تبنيه بالإجماع، إذ نشرع في التصفير وتكسير كراسي الملعب على رأسه، ونصرخ مجددا ودون تعب «رأيك خليه عندك»، ونهرب دون التفات إلى الوراء. 

طبعا نقولها في السياسة المحلية، وكل مرة قلت فيها إنك توافق الحكومة على قرار بدا لك أنت صائبا، تسمع الجموع العجيبة تقول لك بعد لازمة «نتا مرايقي ورشايوي وتدافع عمن يدفع لك أكثر»، عبارة «رأيك خليه عندك». 

نقولها في اختلافاتنا المشروعة والعادية حول أمور الاجتهاد الديني، وقد عشناها مؤخرا ولازلنا نعيشها في حكاية الاجتهاد التعصيب والإرث أو التعدد أو بقية الأمور التي قال لنا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عنها «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، إذ يصرخ الصارخ فور أول محاولة نقاش «رأيك خليه عندك»، وينتهي الكلام، والسلام. 

لذلك يجب أن نعترف بها: مراد المتوكل «مسكين»، مجرد انعكاس لنا جميعا، هو ابن أصلي للمجتمع المغربي، تربى فيه، وتعلم معنا جميعا أن يرفض مثلما نرفض كلنا الرأي الذي لا يعجبنا، أو الذي لا يروقنا، أو الذي يخالف هوانا، ولذلك قال للصحافي الذي لم يعجبه كلامه «رأيك خليه عندك». 

الاكتفاء بانتقاد مراد في هاته الصغيرة فقط، هو أمر ينتمي لمنطق «أسد علي وفي الحروب نعامة». 

عرفناه لوحده أعزلا، فقررنا الهجوم عليه جميعا، لكننا قطعا لن نحل الإشكال. 

وحل الإشكال، يا سادة يا كرام، سيبدأ يوم نستطيع أن نحافظ على هدوئنا ورباطة جأشنا حين نسمع كلاما مخالفا لنا ولا يعجبنا، فلا نقمع قائله، ولا نسبه، ولا نخونه، ولا نكفره، ولا نخصص له عشرات الحلقات التحريضية في «يوتوب»، ولا نستعدي عليه من يعرف ومن لا يعرف، ولا نطالب بقتله، أو نفيه، أو شنقه، أو حرمانه من حقه في الكلام، أي لا نقول له بتعجرف وغرور جماعيين «أسكت»، و«رأيك خليه عندك». 

هل الحكاية صعبة؟ 

نعم، بل هي أصعب من الصعوبة: أن تتقبل الاختلاف، وأن تتعلم رحابة القبول بمعارضيك قبل مؤيديك، وأن تدرب نفسك أولا على تكوين رأي خاص بك مستقل عن الآخرين، ثم ثانيا على الإنصات للآراء التي تخالف رأيك، وأن تتعلم ثالثا مناقشتها بالحجة، لا قمعها، أو شتمها، أو سبها، والاكتفاء بـ«التحيار» قربها مثل المجنون لأنك لا تستطيع أن تتحمل وجودها. 

تمرين شاق للغاية يلزمنا من أجل الوصول إليه كثير الكثير، لكنه ضروري ولابد منه، وحتى إذا لم نعشه نحن، لأن عدوى الانغلاق وعدم القبول بالآخر ورأيه استشرت فينا، فستعيشه أجيال بعدنا، ستضحك كثيرا من غبائنا وهي تتذكر أننا، نحن أسلافها، كنا نغتال كل نقاشاتنا، من أكبرها إلى الأصغر، بقمع المختلفين عنا المخالفين لنا بالصراخ في وجوههم بعبارة «رأيك… خليه عندك!». 

 

آخر الأخبار

إرهاب الدولة في أبشع صوره.. الجيش الجزائري يعدم ميدانيا ثلاثة صحراويين
أفادت مصادر محلية داخل معسكرات الاحتجاز بتندوف، بقيام دورية عسكرية تابعة للجيش الجزائري بـ “إعدام ميداني“ استهدف ثلاثة شبان، وذلك يوم 25 أبريل بالقرب من منجم “غار جبيلات” جنوب غرب الجزائر. وتؤكد المصادر ذاتها أن الدورية العسكرية أطلقت النار بشكل مباشر وعنيف على مجموعة من المنقبين التقليديين عن الذهب، مما أسفر عن مقتل شابين في […]
بالصور.. من مواجهة الرجاء و الفتح ضمن منافسات الجولة السادسة عشرة من البطولة الاحترافية
المغرب يدين الهجوم المسلح الذي استهدف حفلا بواشنطن بحضور الرئيس ترامب
صرح مصدر من وزارة الشؤون الخارجيّة والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن المملكة المغربية تدين الهجوم المسلح الذي استهدف حفلا أقيم بواشنطن، وحضره رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فخامة السيد دونالد ترامب. وأضاف ذات المصدر أن المملكة المغربية، إذ تؤكد تضامنها مع فخامة رئيس الولايات المُتحدة، وعائلته، وكذا مع حكومة وشعب هذا البلد الصديق، فإنها تجدد […]