لنطرح السؤال بطريقة أخرى، لعل وعسى، نستطيع أن نناقش قومنا فيما هم غير قادرين على مناقشته تماما.
لنطرحه بطريقة عاقلة وعملية على من يساندون “فعلة حماس” التي جلبت كل هذا الدمار، ولنحاول النقاش وطرح الأسئلة، وإن كانت مستفزة ومزعجة.
أية مكاسب حققت حركة “حماس” لفلسطين وللأمة جمعاء من عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها يوم 7 أكتوبر، والتي خلفت ماخلفته مما نشاهده نحن على شاشات التلفزيون، ويعيشه عزل ومدنيو غزة على أرض الواقع؟؟
دمرت “حماس” في المخيال الشعبي، أسطورة الجيش الذي لايقهر، ودخلت غلاف غزة في غفلة من جيش التساحال.
طيب، ماذا بعد؟
قتلت و أسرت عشرات من العسكريين والمدنيين تقايض بهم الآن بعض الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
“زيد، شي حاجة أخرى؟”
فضحت “حماس” (آسيدي) ضعفنا، نحن العرب وتهاوننا وعدم قدرتنا، أو لنقل بشكل صريح عدم رغبتنا في الحرب مع إسرائيل، أو عدم اقتناعنا بجدوى هذه الحرب.
هل نسينا (مكتسبا) آخر؟ أم نقفل المحضر ونكتفي؟؟؟
آه، تذكرت، عرقلت “حماس”، أو لنقل “فرملت” عملية السلام بين الدول العربية (وفي مقدمتها السعودية التي كانت قاب قوسين أو أدنى) وبين إسرائيل، لأن الشعوب العربية لايمكنها أن تقبل في ظل انتقام عسكري غير قابل للوصف من طرف إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، أي حديث آخر غير حديث التضامن مع فلسطين.
هل انتهينا من جرد هذه (المكتسبات)؟
نعم، هذا هو كل ماتم، فقط لاغير.
بالمقابل حمل يوم الخميس، يوم أمس، رقما جديدا لعدد من راحوا ضحية مايقع في غزة منذ “الطوفان الحماسي” العجيب: 19 ألف قتيلا حتى الآن، والحصيلة مرشحة للارتفاع.
ولو توفر لإسماعيل هنية، زعيم حماس، حس تفكير سوي حقا، لكان هذا الرقم هو شغله الشاغل الآن، ولكانت هاته الدماء البريئة التي أريقت هي كابوسه وهاجسه الأول، لكنه مشغول فقط بحركته وبمستقبل مابعد كل هذا الدمار، ومهتم فقط بأن يبلغ أمريكا بأن “أي ترتيبات في القطاع دون “حماس” بعد انتهاء القصف (وليس الحرب) هي مجرد أوهام”.
هذه الحركة تجردت تماما من أي رابط مع الإنسانية ومع الفلسطينيين، وهي تؤمن في قرارة نفسها بأن هذه الدماء بالحجم المرعب الذي أريقت به، هي مجرد قربان ضروري وعادي لكي تظل الحركة رقما صعبا وأساسيا في معادلة القطاع، بعد أن ينتهي كل هذا الدمار.
هذا هو الوجه الحقيقي لهاته الحركة المتطرفة، وهذا هو الواقع الذي ترفض قنوات الإعلام الحربي أن تظهره للناس: حركة يقول عنها الفلسطيني المدني المكتوي بنيران اختياراتها مثلما يقول عن إسرائيل أو أكثر، ويعتبرها سندانا والدولة العبرية مطرقة، ويخبر كل من يرغب في سماعه أنه عالق بين الجحيمين، وأنه عاجز عن العثور على أي حل، لا في المدى المنظور، ولا في الآخر الذي لايمتد له بصر.
هل تساوي هاته (المكتسبات) كل هذا الدمار الذي حل بالفلسطيني المدني؟
نطرح بكل هدوء السؤال، وننتظر ممن صرخوا وممن خونوا، وممن كفروا، وممن زايدوا، وممن وزعوا الصكوك على الجميع بعضا من جواب، فإن لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا، فصمتا عابرا على الأقل، من أجل أخذ مهلة للقيام بمالايقومون به عادة: التفكير.
وللحديث صلة طبعا مادام هذا الدم الفلسطيني البريء يراق بهاته الوحشية، لكي يجد هنية ومشعل والسنوار والبقية، خطابات حماسية يلقونها من المخابئ على الراغبين في سماع الشعارات تلو الشعارات.
