أذى نفسي ومعنوي قد يرافق الأطفال إلى مراحل متقدمة من العمر، وقد يؤثر على علاقاتهم الاجتماعية ونظرتهم للآخر وتحصيلهم الدراسي … هي لائحة طويلة من الأضرار التي تغفل المصلحة الفضلى للطفل بعد طلاق الوالدين، نتيجة إجباره على زيارة بيت الأب أو الأم رغما عن إرادته .
وتظهر العديد من الشكايات التي تقدمت بها أمهات مطلقات بما أنهن الأكثر شكوى من هذه الممارسات، أن أطفالهن يرفضن زيارة بيت أسرة الأب بسبب ما يتعرضون له من ترهيب نفسي ومعنوي وتهديد بنزع الأطفال قسرا من الأم، ما يجعل من الزيارة كابوسا موسميا للطفل، وهو ما اعتبرته النائبة حنان فطراس، إشكالية قانونية وإنسانية مقلقة خارج دوائر التتبع القضائي والحمائي الفعال.
ونبهت النائبة في سؤال كتابي موجه لوزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن الأطفال يُبدون في حالات عديدة، رغبة صريحة في عدم الذهاب عند أحد الأبوين خوفًا من الإيذاء أو الضغط النفسي، لكن هذه الإرادة لا تُؤخذ بعين الاعتبار أثناء تنفيذ قرارات الزيارة، بل يُعتبر امتناع الأم عن تنفيذ الزيارة بموجب تلك الرغبة، إخلالًا منها بالتزام قضائي، دون أن يتم التحقق من جدية الضرر النفسي أو رغبة الطفل الحرة.
واعتبرت فطراس أن هذا الوضع المقلق يخلق تناقضًا مؤسفا بين النصوص القانونية التي تحمي الطفل كمصلحة عليا، وبين ممارسات قضائية ميدانية تُؤوِّل تبليغات الأمهات بأنها مجرّد تعسف يهدف إلى حرمان الأب من العلاقة بأبنائه، حتى عندما تكون هذه التبليغات مشفوعة بشهادات طبية أو نفسية، أو مرتبطة بتصريحات الأطفال أنفسهم، مضيفة أن هذه التجاوزات الممارسة بحق الطفل، لا تجد لها مكانا في صكوك الاتهام، ولا في مذكرات النيابة العامة، نظرا لصعوبة التكييف القانوني وغياب نصوص واضحة تجرمه في سياق الزيارة والحضانة.
ودعت فطراص إلى تبني مقاربة تشريعية ومؤسساتية جديدة تدرج العنف النفسي ضمن أولويات الإصلاح القضائي والحقوقي، مع العمل على تحديث الأطر القانونية والتنفيذية بما يتماشى مع: الفصل 32 من دستور المملكة الذي ينص على أن “الدولة تسعى لتوفير الحماية القانونية والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، كيفما كانت وضعيتهم العائلية”، والفصل 31 الذي يقر بحقوق المواطنين في الحماية من العنف، واتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها المغرب، وخصوصًا المادة 19 منها، التي تُلزم الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية لحماية الطفل من جميع أشكال العنف، والمادة 12 من الاتفاقية نفسها، التي تضمن للطفل الحق في التعبير عن آرائه بحرية في جميع المسائل التي تهمه، مع إيلاء تلك الآراء الاعتبار الواجب.
وفي هذا السياق، ساءلت فطراس وزير العدل حول الإجراءات التي ستتخذها الوزارة لحماية الأطفال من التهديد النفسي أو الضغط العاطفي أثناء فترات الزيارة، خصوصًا عندما يعبر الطفل عن رفضه للتواصل مع أحد والديه لأسباب موثقة، إلى جانب التدابير المنتظرة لإدراج العنف النفسي ضمن الجرائم القابلة للتجريم والمتابعة، سواء في مدونة الأسرة أو القانون الجنائي.
كما ساءلت النائبة الوزير حول موقفه من ضرورة تفعيل الاستماع للأطفال أثناء البت في ترتيبات الزيارة، وإدماج مختصين نفسيين لتقييم الأثر النفسي لهذه الوضعيات، إلى جانب تصوره بخصوص إحداث قاعدة بيانات وطنية حول العنف النفسي ضد أطفال الطلاق، وإعادة النظر في التعامل القضائي مع شكايات الأمهات المشكك في نواياها.
