التعديل الحكومي يعيد رسم خريطة القوى داخل أحزاب الائتلاف الحكومي

بواسطة الإثنين 28 أكتوبر, 2024 - 12:40

في مشهد سياسي يعكس عمق التحولات التي يشهدها المغرب، أحدث التعديل الحكومي الذي أشرف عليه جلالة الملك محمد السادس مساء الأربعاء 23 أكتوبر 2024 بالقصر الملكي بالرباط تعديلات في تركيبة الأجهزة التنفيذية للأحزاب السياسية. هذا التعديل، الذي يعد الأول من نوعه منذ تشكيل الحكومة في أكتوبر 2021، يشكل منعطفاً فارقاً في المشهد السياسي المغربي، إذ يتجاوز مجرد تغيير في المناصب الوزارية ليؤثر مباشرة على خريطة مراكز القرار داخل الأحزاب، حيث يؤدي تغيير المناصب الوزارية إلى تحولات تلقائية في عضوية الأجهزة التنفيذية الحزبية. وتكتسي هذه التحولات أهمية خاصة نظراً لما تمثله من إعادة توزيع لمراكز القوى داخل الأحزاب السياسية الرئيسية في المغرب.

وفي هذا السياق، يشهد المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار تغييرات جوهرية مع مغادرة شخصيات وازنة على رأسها شكيب بنموسى الذي غادر منصبه كوزير للتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ومحمد الصديقي الذي كان يشغل منصب وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ومحسن الجزولي الذي كان يتولى منصب الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والاتقائية وتقييم السياسات العمومية. هذه المغادرة تعني فقدانهم تلقائياً لمواقعهم في المكتب السياسي التي كانت مرتبطة بصفتهم الوزارية. وهو ما يفتح المجال أمام وجوه جديدة للانضمام إلى أعلى هيئة تنفيذية في الحزب، فقد استقبل المكتب السياسي للحزب دماءً جديدة تتمثل في كل من أمين التهراوي الذي أسندت إليه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وأحمد البواي الذي تولى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وكريم زيدان الذي عين وزير منتدب لدى رئيس الحكومة مكلف بالاستثمار والاتقائية وتقييم السياسات العمومية، بالإضافة الى زكية الدريوش التي أصبحت كاتبة للدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات مكلفة بالصيد البحري ،بينما عزز تعيين عضوي المكتب السياسي محمد سعد برادة وزيرا للتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ولحسن السعدي كاتبا للدولة لدى وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني نفوذهم السياسي والحزبي داخل المكتب السياسي للحزب.

أما في حزب الاستقلال، فلم تشهد اللجنة التنفيذية أي تغييرات مع مغادرة محمد عبد الجليل الذي كان يشغل منصب وزير النقل واللوجستيك، وعواطف حيار التي كانت تتولى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة. وفي المقابل، عزز حزب الاستقلال تواجده الحكومي بأعضاء من اللجنة التنفيذية للحزب في المناصب الوزارية الجديدة، كعبد الصمد قيوح الذي تولى وزارة النقل واللوجستيك، ونعيمة بنيحيى التي أسندت إليها وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، إضافة إلى عمر حجيرة الذي عين كاتباً للدولة لدى وزير الصناعة والتجارة مكلفاً بالتجارة الخارجية، وعبد الجبار الرشيدي الذي أصبح كاتباً للدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة مكلفاً بالإدماج الاجتماعي. رغم أن اللجنة التنفيذية لم تشهد تغييرات هيكلية مع مغادرة محمد عبد الجليل وعواطف حيار، إلا أن التعيينات الجديدة لأعضاء من اللجنة التنفيذية في مناصب وزارية، عززت من نفوذ هؤلاء الأعضاء داخل الجهاز التنفيذي للحزب.

وفي حزب الأصالة والمعاصرة، شملت التغييرات في مكتبه السياسي مغادرة غيثة مزور التي كانت تشغل منصب وزيرة منتدبة مكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، وعبد اللطيف ميراوي الذي كان يتولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. وفي المقابل، تعززت صفوف المكتب السياسي للحزب بتعيين عز الدين ميداوي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وأمل الفلاح السغروشني وزيرة منتدبة مكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، في حين تما تعيين عضوي المكتب السياسي هشام صابري كاتباً للدولة لدى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والتشغيل والكفاءات مكلفاً بالتشغيل، وأديب بن إبراهيم الذي تولى منصب كاتب الدولة لدى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة مكلفاً بالإسكان.

إن هذه التحولات في الأجهزة التنفيذية للأحزاب الثلاثة تطرح تساؤلات عميقة حول تأثير التعيينات الوزارية على استقلالية القرار الحزبي وآليات صنع القرار داخل الأحزاب السياسية. فالتداخل بين المسؤولية الحكومية والعضوية في الأجهزة التنفيذية للأحزاب يمكن أن يخلق ديناميكية جديدة في العلاقة بين العمل الحزبي والأداء الحكومي، مما يستدعي إعادة النظر في آليات التنسيق وضمان التوازن بين المصلحة الحزبية والمسؤولية الحكومية.

وتكشف قراءة تحليلية معمقة للمشهد السياسي المتشكل عن ظاهرة مركبة تتجاوز مجرد التغيير الوزاري التقليدي. فمن جهة أولى، يعكس هذا التعديل تحولاً براغماتياً في المقاربة السياسية للأحزاب الثلاثة، حيث بات الجمع بين الكفاءة التقنية والولاء السياسي معياراً أساسياً في اختيار القيادات، وهو ما يمثل انعطافة في الثقافة السياسية المغربية التي طالما ركزت على الأقدمية الحزبية والولاء التنظيمي. ومن جهة ثانية، يثير هذا النمط من التعيينات إشكالية جوهرية تتعلق بمصير الديمقراطية الداخلية للأحزاب، إذ يمكن أن يؤدي تركيز السلطتين الحكومية والحزبية في يد نخبة محدودة إلى خلق طبقة تكنوقراطية-سياسية معزولة عن القواعد الحزبية وهمومها. كما أن هذا التداخل بين المسؤوليات يطرح تساؤلات عميقة حول قدرة الأحزاب على ممارسة دورها الرقابي والنقدي تجاه الأداء الحكومي، خاصة حين تكون قياداتها جزءاً من المنظومة التنفيذية. وعلى صعيد آخر، يمكن قراءة هذا التحول كمؤشر على تنامي نزعة تقنية-إدارية في تدبير الشأن العام، قد تأتي على حساب البعد السياسي والإيديولوجي للعمل الحزبي، مما يهدد بتحويل الأحزاب تدريجياً إلى مجرد خزانات للكفاءات التقنية. ولعل المفارقة الأبرز في هذا السياق هي أن تعزيز النجاعة الحكومية من خلال اختيار كفاءات تقنية-سياسية قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى إضعاف الأحزاب كمؤسسات وسيطة بين المجتمع والدولة، وهو ما يتناقض مع جوهر الديمقراطية التمثيلية التي تقوم على التعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة. كما أن غياب آليات واضحة للفصل بين المسؤولية الحكومية والقيادة الحزبية يمكن أن يخلق تضارباً في المصالح ويؤثر سلباً على استقلالية القرار الحزبي، خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب موقفاً حزبياً مستقلاً عن الموقف الحكومي.

وأمام هذا المشهد المتجدد، يبقى الرهان معقوداً على قدرة الأحزاب على إيجاد صيغة متوازنة تضمن فعالية أجهزتها التنفيذية مع الحفاظ على استقلاليتها في صنع القرار الحزبي. فالتحدي اليوم يتجاوز مجرد التغيير في المناصب والمسؤوليات ليصل إلى جوهر العمل السياسي الحزبي ومدى قدرته على التكيف مع المتغيرات السياسية مع الحفاظ على هويته وأدواره الأساسية.

آخر الأخبار

مؤسسة وسيط المملكة توثق تجربتها في حماية الحقوق والوساطة بتقديم إصداراتها بمعرض الكتاب
قدمت مؤسسة وسيط المملكة، خلال ندوة أمس السبت بالرباط، باقة من الإصدارات التي توثق تجربة المؤسسة في مجال حماية الحقوق والوساطة المؤسساتية، بهدف تكريس دور الكتاب والمعرفة في ترسيخ قيم الحكامة الجيدة وتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق. وتقترح هذه الأعمال، المعروضة في إطار مشاركة المؤسسة في الدورة الـ31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب تحت شعار […]
" PACTE TPME  "..مخطط جديد لتسريع نمو المقاولات الصغرى والمتوسطة
في إطار التعاقد الذي يجمع الدولة بوكالة “مغرب المقاولات”، تم إطلاق مخطط تسريع نمو وتحول المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة ” PACTE TPME”. جاء ذلك خلال حفل ترأسه وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، يوم الأربعاء الماضي بالرباط، بحضور كل من وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، شكيب العلج. بالنسبة […]
إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بتطوان
تم، أمس السبت، بتطوان إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بين الجماعات على مستوى مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي”. وتم تسليم الحافلات للمفوض له النقل الحضري وشبه الحضري للنقل الجماعي بواسطة الحافلات بجماعات مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي” شركة “إيصال تطوان” وهي شركة منبثقة من شراكة تجمع بين الشركة المغربية للنقل […]