المغرب فرنسا.. إعلان للتاريخ وللمستقبل

بواسطة الأربعاء 30 أكتوبر, 2024 - 08:08

لا شيء ترك للصدفة.. هذا ما يمكن استشرافه من الإعلان المتعلق «بالشراكة الاستثنائية الوطيدة» بين المغرب وفرنسا، والذي توج الزيارة التاريخية للرئيس الفرنسي للمغرب، وتوقيعه وجلالة الملك على الإعلان الذي سيرسم مستقبل علاقة البلدين خلال العقود القادمة.

جاء الإعلان واضحا شارحا وكاشفا لكل التفاصيل الدقيقة التي يمكن أن تشكل مدخلا لأي خلاف محتمل، لذلك وضع النقط على الحروف، وحاول تأطير كل مناحي العلاقة بين الرباط وباريس، ما يكشف عن توصل الطرفين، وعبر حوارات استراتيجية معمقة لصورة مثالية لطبيعة العلاقات المستقبلية بين البلدين.

وحتى يكون هذا الإعلان معبرا عن مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين، جاء وصفه بالشراكة الاستثنائية، وتمت ديباجته بعبارة «قرار مشترك بين جلالة الملك محمد السادس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتدشين مرحلة جديدة من التاريخ الطويل المشترك بين فرنسا، بغرض الارتقاء بالعلاقة بين البلدين إلى مستوى شراكة استثنائية وطيدة».

ولتحقيق مثل هذه الغاية، كان لابد من وضع أرضية مؤسسة للشراكة الاستثنائية الوطيدة، وهو ما أكده البلاغ المشترك الذي وضع في صلب توجهه ما أسماه «عمق العلاقات القائمة بين البلدين والضاربة جذورها في التاريخ، ومتانة الروابط الإنسانية والثقافية ذات التنوع الغني والفريد، والتي تشكل أساس صداقتهما وتعاونهما منذ عدة عقود»، وهي محددات تربط بين الماضي والمستقبل.

لكن هذا المسار التاريخي لا يحجب حقيقة وجود رغبة في الاعتماد على الماضي، لتأسيس المستقبل، حيث عبر الإعلان عن إرادة البلدين «المشتركة في استثمار مكتسبات الشراكة وأوجه تكاملها للدفع بها بشكل لا رجعة فيه نحو مرحلة جديدة، وذلك في القطاعات الاستراتيجية التي تستجيب للتحولات التي يشهدها البلدان والتقلبات التي تطبع السياق الإقليمي والدولي».

ولم يقف الإعلان عند حدود وجود رغبة مشتركة لدى قائدي البلدين لخلق هذه الشراكة، بل كان لابد من تدعيمها من أجل تمكين العلاقات الفرنسية-المغربية من إطار استراتيجي شامل ومستقر ودائم، وهو ما عبر عنه الإعلان، بالإشارة إلى أن هذه الشراكة المتينة التي تتطلع إلى المستقبل، «تحظى بالدعم على أعلى المستويات في كلا البلدين، مع إشراك جميع مكوناتهما والعمل على تنفيذها بشكل ملموس ومتطور ومبتكر، للاستجابة إلى تطلعات الأجيال الحالية والمستقبلية».

ويمضي الإعلان في تأسيسه لمستقبل العلاقة بين المغرب وفرنسا، بالتأكيد على ضرورة الحوار الاستراتيجي في كل القضايا المشتركة، وهو ما عبر عنه الإعلان، بتأكيد حرص البلدين «على العمل كشريكين استراتيجيين في جميع المجالات، لاسيما الحوار السياسي، والشراكة الاقتصادية، والتبادل الإنساني»، ليس فقط على مستوى القيادة، بل أيضا على كل المستويات، من خلال الإشارة إلى «اعترافهما بالمساهمة القيمة للجماعات الترابية والمؤسسات التمثيلية والفاعلين الاقتصاديين والشباب والمجتمع المدني، وكذا المغاربة المقيمين بفرنسا والفرنسيين المقيمين بالمغرب، ورغبتهما في مواصلة تعزيز إسهامهم في هذه الشراكة».

وفي سياق هذا التأسيس لأرضية التعاون المثلى بين البلدين، تم التنصيص في ختام هذه المرحلة من الإعلان على رغبة قائدي البلدين «في تمكين المغرب وفرنسا من خلال هذه «الشراكة الاستثنائية الوطيدة»، من رفع جميع التحديات التي يواجهها البلدان، على شكل أفضل، وذلك عبر تعبئة جميع القطاعات المعنية بالتعاون الثنائي والإقليمي والدولي».

وبعد هذه الأرضية التي شكلت مدخلا لتأسيس علاقة مستقبلية سليمة، كان لابد من وضع الإطار العام الذي يفتح الباب أمام هندسة علاقة مكتملة الأركان، من خلال تحديد المبادئ الحاكمة لصد أي محاولة للخلاف، عبر تنصيص الإعلان على تأكيد رئيسا الدولتين أن «الجهود المشتركة التي يبذلها البلدان على الصعيدين الثنائي والدولي ستظل قائمة على أساس مبادئ محددة لطبيعة العلاقة المستقبلية».

وحدد الإعلان هذه المبادئ في محاور «العلاقة بين دولة ودولة، والمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وفي اختيارات السياسة الخارجية، واحترام الالتزامات المبرمة، والثقة، والشفافية، والتشاور المسبق، وتضامن ومسؤولية كل طرف تجاه الطرف الآخر»، وهي إشارات لاحترام كل دولة لسيادة الدولة الثانية ولاختياراتها السياسية، بما ينسجم مع سيادتها واستقلالها.

وحتى لا يكون هذا الإعلان مجرد إعلان نوايا، كان ضروريا تحديد المرامي التي يتطلع لها البلدان، حتى يكون لها واقع على الأرض، لذلك أكد الإعلان على التزام رئيسي البلدين «بتسخير الشراكة الاستثنائية الوطيدة لخدمة ثلاثة أهداف كبرى»، يمكن اعتبارها بمثابة الدعامات التي تؤسس لما وصفه الإعلان بالشراكة الاستثنائية المستقبلية.

وحدد الإعلان أول هذه الأهداف في «تعزيز التقارب السياسي والاستراتيجي بين المغرب وفرنسا لتمكينهما من مواجهة التحديات الكبرى الراهنة»، بينما لخص الهدف الثاني في «تعميق وتحديث الشراكة بين البلدين خدمة للتنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي واستقلاليتهما الاستراتيجية»، في حين وضع للهدف الثالث عنوان «مواصلة تدعيم تعاونهما المتميز في مجال الروابط الإنسانية والرأسمال البشري والثقافة، والمتجذر في إطار فرانكفونية قائمة على القيم والانفتاح».

وبعد تحديد الأرضية، التي تم تأسيس الإعلان عليها، تم تحديد أهدافه المستقبلية، وكان لابد من تحديد مجالات التعاون التي يمكن أن تشكل موضوعا لتفعيل هذا الإعلان على أرض الواقع، حيث حدد البلدان عدة قطاعات استراتيجية، اعتبرت بحاجة لأن تشكل أساسا لإيلائها قدرا أكبر من الاهتمام والجهد، لكنه اعتبرها منفتحة على مجالات أخرى مستقبلية.

وهكذا حدد الإعلان هذه القطاعات التي اعتبرها استراتيجية في مجالات «الأمن الصحي وإنتاج اللقاحات؛ والماء وتدبير الموارد المائية؛ والفلاحة، والتدبير الغابوي والأمن الغذائي؛ وتعزيز البنيات التحتية الطرقية والسككية والبحرية والتنقل الحضري؛ والربط والانتقال الطاقي والطاقات المتجددة؛ والذكاء الاصطناعي؛ والتعاون في مجالي الأمن والدفاع؛ والتعاون في مجالات التربية والبحث العلمي والتكوين الجامعي؛ والتعاون الثقافي، خاصة في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية والتراث؛ والتعاون في مجال الرياضة وتنظيم التظاهرات الكبرى، في إطار الألعاب الأولمبية والبرالمبية المنظمة بباريس في 2024، وفي أفق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2030 بالمغرب».

ولم يهمل البلاغ التطرق أيضا لعدد من القضايا المشتركة، والتي شكلت في مرحلة من الزمن نقطا خلافية بين البلدين، بالنظر إلى منظور كل دولة لها، وخاصة ما يرتبط بملف الهجرة، والذي كان مثار سجال طويل، لذلك جاء الإعلان ليضع محددات للتعاطي مع هذا الملف، وتحديد العناصر الكفيلة نع أي سجال مستقبلي.

وفي هذا السياق، قال الإعلان إن قائدي البلدين أشادا «بالتعاون الطموح الذي أرسياه وعززا دعائمه في مجال الهجرة، ويدعوان إلى وضع أجندة شاملة في هذا المجال، تشمل، في الآن ذاته، تسهيل التنقلات النظامية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والتعاون في مجال إعادة القبول ومنع عمليات المغادرة بالطرق غير القانونية، وكذا تعزيز التنسيق بين دول المصدر وبلدان العبور وبلدان الإقامة، على أساس مبدأ المسؤولية المشتركة».

وبقراءة هذا الجانب من الإعلان المتعلق بملف الهجرة، يمكن القول أن البلدين تجاوزا بنجاح معوقات هذا الملف، من خلال وضع تصور واضح لكل المشاكل، التي كانت تفتح الباب نحو الخلافات والسجالات، يؤسس للتعاطي المبني على أساس المسؤولية المشتركة لدولتي العبور والإقامة، والدعوة لوضع أجندة شاملة لهذا الملف.

وذهب الإعلان أكثر في تحديد النموذج الأمثل للعلاقة الاستراتيجية المستقبلية، من خلال تناول ملفات إقليمية ودولية تهم البلدين، حيث شدد قائدا البلدين، فيما يخص القضايا الإقليمية، على «الأهمية المحورية التي يوليانها في حوارهما الاستراتيجي الثنائي لكل من إفريقيا والفضاء الأطلسي، والعلاقات الأورو-متوسطية والشرق الأدنى والأوسط».

وفيما يرتبط بهذه القضايا الإقليمية، والتي تهم كلا من المغرب وفرنسا، كان لابد من التعاون في تأطير طبيعة التعاطي معها، خدمة لمصالح البلدين، حيث اتفق الزعيمان في هذا المجال «على تطوير مشاوراتهما من أجل تشجيع مبادرات مشتركة تهدف إلى الإسهام بشكل جماعي، مع البلدان المعنية، في أمن هذه المناطق واستقرارها وتنميتها»، وهو ما يؤشر لفتح تعاون معمق في القارة الإفريقية، بالاعتماد على المكانة التي يحتلها المغرب في عمقه القاري.

وفي هذا السياق، أشاد الرئيس الفرنسي ماكرون «بالعمل الهام الذي يقوم به جلالة الملك من أجل استقرار إفريقيا وتنميتها وبالمبادرات الملكية التي تم إطلاقها في هذا الشأن»، بينما عبر الإعلان بالمقابل على متابعة «جلالة الملك عن كثب للجهود المهمة التي تبذلها فرنسا من أجل تجديد الشراكة القائمة بين فرنسا والاتحاد الأوروبي والبلدان الإفريقية وملاءمتها مع تحديات القرن الحادي والعشرين، في إطار الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة».

كما تطرق الإعلان لعدد من القضايا المشتركة على الصعيد الدولي، حيث « أكد قائدا البلدين على إرادتهما القوية للإسهام معا في تسوية الأزمات التي يواجهها المجتمع الدولي، سواء فيما يتعلق بالتصدي لتفاقم النزعات الخلافية وتراجع سيادة القانون، أو فيما يخص تحسين مستوى حماية الممتلكات العالمية المشتركة (المناخ، البيئة، التنوع البيولوجي، المحيطات)، لاسيما في إفريقيا والفضاء الأورو-متوسطي».

وحتى يمكن لهذا الإعلان أن يسير على السكة التي رسمها جلالة الملك والرئيس الفرنسي، كان لابد من وضع ميكانيزمات عملية لتفيعله، لذلك «اتفق قائدا البلدين على أن يشرفا بصفة مباشرة على تتبع «الشراكة الاستثنائية الوطيدة» بين المغرب وفرنسا»، عبر «تحديد أولوياتها وإعطائها الزخم اللازم لإنجاحها»، وأعلنا أنهما «سيقومان بصفة منتظمة، لاسيما عبر عقد اجتماعات حسبما تقتضيه الضرورة، بتتبع التقدم المحرز في تنفيذ الشراكة الاستثنائية الوطيدة».

كما اتفق جلالة الملك والرئيس الفرنسي على تعيين لجنة تتبع استراتيجية مصغرة ومتساوية الأعضاء تتولى تقديم أي مقترح من شأنه أن يسهم في تعميق مضمون «الشراكة الاستثنائية الوطيدة»، والتي ستضطلع بدور مكمل لعمل الهيئات المكلفة بقيادة أشكال التعاون الثنائي، ولا تحل محلها.

وفي ختام هذا الإعلان التاريخي والاستثنائي، كان لابد من استحضار المتغير الجديد في الموقف الفرنسي، بخصوص الاعتراف بمغربية الصحراء، حيث أكد قائدا البلدين أن «مجال تطبيق «الشراكة الاستثنائية الوطيدة» بين المغرب وفرنسا يشمل أوسع نطاق ترابي ممكن، وذلك على ضوء الموقف الفرنسي المعبر عنه بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتربع صاحب الجلالة على العرش».

وأعاد الإعلان التذكير بالموقف الفرنسي الجديد، من خلال التأكيد على ما أعلنه رئيس الجمهورية الفرنسية بقوله: «أعتبر أن حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية. […] بالنسبة لفرنسا، فإن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية. وإن دعمنا لمخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب في 2007 واضح وثابت. ويشكل هذا الأخير، من الآن فصاعدا، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي، عادل، مستدام، ومتفاوض بشأنه، طبقا لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».

كما اختتم الإعلان بتجديد رئيس الجمهورية، بصفة خاصة، تأكيد التزامه بأن تواصل فرنسا مواكبة جهود المغرب، من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المنطقة لفائدة الساكنة المحلية»، في إشارة واضحة لاعتراف كامل من قبل فرنسا بمغربية الصحراء، وبانخراطها أيضا في دعم هذا الاعتراف بالتزام واضح به كأساس وحيد للتوصل إلى حل نهائي لملف الصحراء المغربية.

آخر الأخبار

البطولة برو..النادي المكناسي يفرمل المغرب الفاسي
حسم التعادل بدون أهداف مباراة النادي المكناسي وضيفه المغرب الفاسي، في المباراة التي جمعتهما، مساء اليوم السبت على أرضية الملعب الشرفي بمكناس، لحساب منافسات الجولة 18 من البطولة الاحترافية. وعزز المغرب الفاسي صدارته لترتيب البطولة مؤقتا برصيد 37 نقطة، فيما ارتقى النادي المكناسي إلى المركز السادس برصيد 27 نقطة، مناصفة مع الدفاع الحسني الجديدي. ويتواصل […]
 بعد دراسة الجدوى والتصاميم..مشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا ينتقل إلى مرحلة تعبئة التمويل
يستعد المغرب،عبر المكتب الوطني للهيدروكاربوات والمعادن، للانخراط في عملية لتبعئة التمويلات الخاصة بإنجاز خط أنبوب الغاز بين نجيريا والمغرب، عبر 13عدة دول إفريقيا. يأتي ذلك بعدما كان المكتب قد تحول،في شهر فبراير الماضي، إلى شركات مساهمة، بهدف تمكينه من مرونة أكبر في عقد الشراكات وتعبئة الموارد المالية.  وحسب معطيات حصلت عليها وكالة “بلومبيرغ” من المكتب، […]
في رسالة إلى عاهل مملكة البحرين.. جلالة الملك يجدد إدانته القوية للعدوان الإيراني
بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، رسالة خطية سامية، إلى أخيه صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، جدد له فيها إدانته القوية للعدوان الإيراني الغاشم الذي استهدف أمن واستقرار الشعب البحريني الشقيق، ومنشآته المدنية والعسكرية والأحياء السكنية، واثقا أن مملكة البحرين الشقيقة، بفضل قيادته الحكيمة، ستتجاوز هذا الظرف […]