المغرب وفرنسا يكتبان أولى صفحات فصل جديد

بواسطة الخميس 31 أكتوبر, 2024 - 13:36

بينما كان الرئيس الفرنسي يعلن عبر صفحته في موقع إكس أن زيارته للمملكة تفتح فصلا جديدا من العلاقات بين البلدين، كان وزيره في الخارجية يفعل هذا الفصل الجديد بإعلان فتح قنصلية لفرنسا بالأقاليم الجنوبية للمملكة، وباعتماد وزارته للخريطة الكاملة للمغرب.

الخطوة الجديدة للخارجية الفرنسية رد عليها وزير الخارجية المغربية، ناصر بوريطة، بقوله: «إعلان وزارة الخارجية الفرنسية عن اعتماد الخريطة الكاملة للمملكة، بما في ذلك صحراؤها، على موقعها الرسمي، هو تفعيل وتنزيل لموقف باريس الذي أعرب عنه بالفعل الرئيس إيمانويل ماكرون في رسالة سابقة وجدده اليوم بقبة البرلمان».

هذه الخطوات الجديدة في موقف فرنسا من قضية الصحراء لم تكن تتم لولا الجهد الكبير الذي قام به المفاوض المغربي، والذي كرس بالعمل الموقف الملكي المعلن، والقائم على كون التعاطي مع قضية الصحراء المغربية، هو المنظار الذي أصبح المغرب ينظر به لشركائه، والذي كان المفتاح نحو تغيير عدد من القوى والدول لمواقفها السابقة من قضية الصحراء المغربية.

لكن الموقف الفرنسي، ووفق متتبعين، كان أكثر جرأة من مواقف سابقة لدول أخرى، واعتبروا أن باريس مضت بعيدا في دعمها لملف الصحراء، وأن موقفها هذا سيكون له ما بعده، بالنظر لموقع فرنسا في العالم. وهو ما عبر عنه بوريطة في الندوة الصحفية مع نظيره الفرنسي، بقوله إن «فرنسا تلعب دورا رئيسيا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهي على قدر كبير من المعرفة بتاريخ المنطقة وبداية النزاع المفتعل»، مشددا على أن «المغرب وفرنسا دخلا معا منذ الإثنين في صفحة جديدة».

ولأن هذه الصفحة الجديدة تفرض إجراءات على الأرض، كان قرار فرنسا أيضا ما أعلنه وزير خارجيتها، جان نويل بارو، بفتح قنصلية لبلاده في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وقال إن السفير الفرنسي بالرباط سيتوجه إلى الصحراء المغربية لافتتاح القنصلية.

كما قال الوزير الفرنسي إن وزارته، وتفعيلا للموقف الفرنسي الجديد من قضية الصحراء المغربية، قامت باستبدال جميع الخرائط في الإدارات والبعثات الديبلوماسية بخريطة المغرب بصحرائه كاملة.

وأكثر ما يكشف عن تحول جذري في الموقف الفرنسي في التعاطي مع قضية الصحراء المغربية هو الدفعة الاقتصادية الكبيرة التي انخرطت فيها باريس، بالدفع بشكل كبير بالاستثمارات في الصحراء المغربية، في رسالة تشكل ضربة لقرار محكمة العدل الأوروبية، التي باتت خارج إطار الزمن الجديد.

وفي هذا السياق، أعلن ماكرون، وفي جلسة أمام نواب الأمة، تأكيد دعم بلاده للسيادة المغربية على الصحراء، بل وأن بلاده ستدعم هذا الموقف في المحافل الدولية، وستعمل على تنزيله من خلال الاستثمار في المنطقة، واعتبر أن الصداقة بين المغرب وفرنسا ظلت قائمة حتى في فترة الاضطرابات، وكانت فرنسا تقف إلى جانب المغرب في قضاياه الوجودية، ليعلن صراحة جوهر تغير الموقف الفرنسي بقوله: «أشير هنا إلى قضية الصحراء، حيث أردت، باسم فرنسا أن أوضح رؤيتنا من خلال الرسالة التي بعثت بها إلى الملك محمد السادس في 30 يوليوز الماضي».

وكان أكثر ما أعلنه الرئيس الفرنسي إثارة وتلخيصا للمشهد هو لحـظة مخاطبته للبرلمانيين المغاربة بالقول «أؤكد على ذلك أمامكم، بالنسبة لفرنسا حاضر ومستقبل أراضي الصحراء لن يكون إلا في إطار السيادة المغربية»، قبل أن يخلص لتأكيد عنوان المرحلة القادمة «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الوحيد لحل هذه القضية».

وزيادة في التوضيح، وكأنه يوجه كلامه لنظام الجزائر، قال الرئيس الفرنسي إنه لا يوجد أي حل آخر لإنهاء النزاع حول الصحراء، وذلك في إطار مسار التفاوض الذي تراه الأمم المتحدة، مبرزا أن هذا الموقف هو الذي ستعمل فرنسا على تنزيله وستقف مع المغرب على أساسه في المحافل الدولية، مؤكدا أن موقف فرنسا من قضية الصحراء «ليس فيه عداء لأي كان».

كما أبرز ماكرون أن دعم فرنسا لمسار الحكم الذاتي يسمح بفتح صفحة جديدة من الشراكة الإقليمية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وبين البلدان المغاربية ودول الاتحاد الأوروبي، قبل أن يؤكد أن الشركاء الفرنسيين سيواكبون تطوير الأقاليم الصحراوية من خلال الاستثمار فيها، وذلك عبر مبادرات مستدامة لفائدة السكان المحليين، مشددا على أن تاريخ الشراكة المغربية الفرنسية منفتح على أوروبا وإفريقيا.

وتظهر هذه الإجراءات المتخذة من قبل فرنسا تقارب وجهات النظر بين البلدين، والانتقال لمرحلة علاقة جديدة لخصها الإعلان المشترك الذي وقعه جلالة الملك والرئيس الفرنسي، والذي يمكن اعتباره بمثابة دستور يؤسس لعقود من الزمن قادمة، في إطار توضيح شكل العلاقة التي انتقلت من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة أقرب إلى التحالف بين الدول.

وتبرز رمزية هذا التحالف الجديد في العلاقة بين فرنسا والمغرب من خطاب ماكرون في البرلمان المغربي، ومخاطبته لنواب الأمة، باعتباره مشهدا يحيل على تطابق تام في رؤى قيادة البلدين، والانتقال لنقل هذا التطابق للمشرعين ممثلي الشعب، ما يعطي لمضامين الخطاب «شرعية» و«مشروعية» تتجاوز حدود الخطاب الديبلوماسي.

لذلك كانت الإشارات، التي حملها خطاب ماكرون، أكثر من دالة، واعتبرها مراقبون تشكل لأسس تحالف استراتيجي مغربي فرنسي، تتعدى علاقة البلدين، لتشمل مجالا أرحب، عبر تأكيده على انفتاح هذه العلاقة على المجالين الإفريقي والأوروبي، وإعلانه أن هذا الموقف لا يشكل عداء لأي أحد، وأنه موقف يسمح بفتح صفحة جديدة من أجل التعاون الإقليمي في المتوسط مع البلدان المجاورة للمغرب ومع الاتحاد الأوروبي.

وأكثر من ذلك لم يترك الرئيس الفرنسي الفرصة ليرد على موقف محكمة العدل الأوروبية حين اعتبر أن تشجيعه الشركات الفرنسية على الاستثمار في الأقاليم الجنوبية للمملكة هو فرصة للشركات الأوروبية للاستثمار في الصحراء، ونصحهم بعدم «الاستماع إلى بعض المماحكات السياسية والقانونية التي تصدرها بعض المنظمات الحقوقية».

وتنسجم هذه الخطوات الفرنسية الجديدة مع ما تضمنه إعلان «الشراكة الاستثنائية والوطيدة»، الذي أسس لمستقبل العلاقة بين المغرب وفرنسا، بالتأكيد على ضرورة الحوار الاستراتيجي في كل القضايا المشتركة، وهو ما عبر عنه الإعلان، بتأكيد حرص البلدين «على العمل كشريكين استراتيجيين في جميع المجالات، لاسيما الحوار السياسي، والشراكة الاقتصادية، والتبادل الإنساني»، ليس فقط على مستوى القيادة، بل أيضا على كل المستويات، من خلال الإشارة إلى «اعترافهما بالمساهمة القيمة للجماعات الترابية والمؤسسات التمثيلية والفاعلين الاقتصاديين والشباب والمجتمع المدني، وكذا المغاربة المقيمين بفرنسا والفرنسيين المقيمين بالمغرب، ورغبتهما في مواصلة تعزيز إسهامهم في هذه الشراكة».

ويبدو هذا التحالف الجديد أكثر وضوحا من خلال أرضية التعاون المثلى بين البلدين، التي تضمنه الإعلان المشترك، والتي تم التنصيص فيها على رغبة قائدي البلدين «في تمكين المغرب وفرنسا من خلال هذه «الشراكة الاستثنائية الوطيدة»، من رفع جميع التحديات التي يواجهها البلدان، على شكل أفضل، وذلك عبر تعبئة جميع القطاعات المعنية بالتعاون الثنائي والإقليمي والدولي»، والعمل على تحصين هذا التحالف، عبر تنصيص الإعلان على تأكيد رئيسا الدولتين أن «الجهود المشتركة التي يبذلها البلدان على الصعيدين الثنائي والدولي ستظل قائمة على أساس مبادئ محددة لطبيعة العلاقة المستقبلية»، لكن دون مس بسيادة واستقلال كل دولة، حيث أعلن أن «العلاقة بين دولة ودولة، والمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وفي اختيارات السياسة الخارجية، واحترام الالتزامات المبرمة، والثقة، والشفافية، والتشاور المسبق، وتضامن ومسؤولية كل طرف تجاه الطرف الآخر تظل قائمة»، في إشارة لاحترام كل دولة لسيادة الدولة الثانية ولاختياراتها السياسية، بما ينسجم مع سيادتها واستقلالها.

آخر الأخبار

مؤسسة وسيط المملكة توثق تجربتها في حماية الحقوق والوساطة بتقديم إصداراتها بمعرض الكتاب
قدمت مؤسسة وسيط المملكة، خلال ندوة أمس السبت بالرباط، باقة من الإصدارات التي توثق تجربة المؤسسة في مجال حماية الحقوق والوساطة المؤسساتية، بهدف تكريس دور الكتاب والمعرفة في ترسيخ قيم الحكامة الجيدة وتعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق. وتقترح هذه الأعمال، المعروضة في إطار مشاركة المؤسسة في الدورة الـ31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب تحت شعار […]
" PACTE TPME  "..مخطط جديد لتسريع نمو المقاولات الصغرى والمتوسطة
في إطار التعاقد الذي يجمع الدولة بوكالة “مغرب المقاولات”، تم إطلاق مخطط تسريع نمو وتحول المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة ” PACTE TPME”. جاء ذلك خلال حفل ترأسه وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، يوم الأربعاء الماضي بالرباط، بحضور كل من وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب، شكيب العلج. بالنسبة […]
إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بتطوان
تم، أمس السبت، بتطوان إعطاء الانطلاقة الرسمية لخدمة أسطول النقل الحضري الجديد بين الجماعات على مستوى مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي”. وتم تسليم الحافلات للمفوض له النقل الحضري وشبه الحضري للنقل الجماعي بواسطة الحافلات بجماعات مؤسسة التعاون بين الجماعات “الشمال الغربي” شركة “إيصال تطوان” وهي شركة منبثقة من شراكة تجمع بين الشركة المغربية للنقل […]