اتضح عمليا أن الأحزاب، التي وعدت شعوبها في المنطقة العربية بالاشتراكية، والعدالة الاجتماعية، اتفقت كلها على امتداد نصف قرن ويزيد على أن توزع على مواطنيها الألم فقط.
أعطتهم منه جرعات متساوية بشكل مذهل ومرعب حقا.
ومنذ يومين، ونحن نتأمل مشاهد السوريين النازحين الذين يعودون إلى بلاد كانت من أجمل البلدان، وتحولت إلى خراب فعلي، بعد فرار من حكمها بعد أبيه باسم البعث والعدالة الاجتماعية والأخوة وبقية الشعارات الكاذبة، كنا نسأل أنفسنا: بأي وجه سيلاقي الله هؤلاء الذين تسببوا في كل هذا الخراب، ووزعوا كل هذا الألم على الأبرياء؟
نعم، انتهت حلول الأرض، وتفسيراتها المادية للأشياء، ولم نعد نجد إلا رفع الرأس نحو السماء لمساءلة اليوم الذي سيبعث فيه هؤلاء الظالمون لكي يجيبوا على السؤال القاسي والضروري: لماذا؟
كان ممكنا للدكتور بشار، يوم تولى مقام والده حافظ الأسد، أن يستفيد من سنه الصغير ومن شبابه، ومن إتقانه للغات الأجنبية واطلاعه على تجارب الغير ومن صورته باعتباره «ولد الوقت» حينها، لكي يصلح الدمار المرعب الذي صنعه أبوه الهارب من الثكنات المستولي على حكم الشام الخصيب ظلما وعدوانا، لكنه لم يفعل أي شيء من ذلك.
واصل حكم الناس في سوريا بالدم والنار، وأزال شيئا فشيئا عن الشام جماله، وحوله إلى ما هو عليه اليوم.
لمن ترك بشار دمشق وقدود حلب وبقية آيات الجمال اليوم؟
تركها للحي كانت غير مشذبة في الـ2011، وكانت تتوعد الكل بالتكفير والمزيد من القتل والدمار، واضطرت اليوم «من أجل لزوم الشغل» أن تشذب لحاها قليلا، وأن ترتدي لباس الإفرنجة، وأن تتحدث حديثا لينا مع الناس، قبل أن تشرع في تقاسم غنائم النصر، وتتذكر اختلافاتها الكثيرة مع بعضها، وحينها فقط سنرى إن كان هذا اللين في الكلام والتعامل حقيقة، أم مجرد خدعة بصرية من آلاف الخدع التي جربها المحتالون في شعوب المنطقة، ونجحت كلها رغم التكرار المعيب.
سيسأل التاريخ هؤلاء البعثيين الكاذبين في سوريا، وفي العراق، وفي أماكن أخرى مثل الجزائر وليبيا وغيرهما عن المسؤولية الثابتة وراء كل ما جرى ويجري.
سيقول لهم: اشرحوا لنا فقط لماذا صنعتم سعادتكم على تعاسة الناس ومكانه كل هذه المدة من الزمن، وحاولوا أن تختاروا كلمات تقنع الجميع فعلا أن ما فعلتموه كان ضروريا، لأننا وبعد كل ما وقع، اقتنعنا فقط بأنكم كنتم مع شعاراتكم فاصلا وقوسا نافلين وزائدين في مسار السياسة والحكم في المنطقة كلها.
لم تكن لنا بكم حاجة، ونحن فهمناها متأخرين بعد أن تورط آباؤنا وأجدادنا في تصديقكم، مع أن كذبكم كان مكشوفا منذ البدء، ومع أنه كان واضحا أنكم لستم حزب البعث، بل أنتم فقط الطغاة الذين سيجعلون المنطقة تجرب يوم البعث على هذه الدنيا، قبل أن تعيشه في الآخرة، يوم تلتقي أمام الله الخصوم.
كل هذا الموت والنزوح والتشرد والألم والتفقير، وكل هذا الهوان مؤجل حسابه معكم إلى يوم آخر.
هذه هي الخلاصة معكم أيها الكاذبون من الأب إلى الإبن، إلى بقية روحكم التي لم تكن قدسا في يوم من الأيام.
