حين تصبح الكراسي أغلى من الوطن ..من يخدم المغرب ومن يستعمله سلّماً إلى السلطة؟

بواسطة الخميس 27 أغسطس, 2026 - 11:31

بقلم د حنان أتركين

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، ومع دخول الاستحقاق السياسي مرحلة العد التنازلي، يصبح من الضروري أن نعيد طرح سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالاته: لماذا نمارس السياسة؟ أنزاولها من أجل خدمة الوطن والمواطن، أم من أجل البحث عن تموقع ومقعد ونفوذ وامتياز؟ فالحملة الانتخابية ستنطلق قريبا، لكن الحملة الأخلاقية الحقيقية يجب أن تبدأ قبل ذلك بكثير، من داخل ضمير كل من يستعد لطلب ثقة المغاربة. 

لقد آن الأوان لأن نتحدث بصراحة، بعيداً عن المجاملات والشعارات. السياسة ليست غنيمة، والمناصب ليست ملكاً لأحد، والانتخابات ليست موسماً لتوزيع الامتيازات أو تحقيق الطموحات الشخصية. المنصب العام مسؤولية، والتمثيلية الانتخابية أمانة، والثقة التي يمنحها المواطن ليست رخصة مفتوحة للانشغال بالمصالح الخاصة، وإنما تكليف يفرض على صاحبه أن يجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

من المؤسف أن السياسة تفقد معناها النبيل عندما يتحول الوصول إلى المنصب من وسيلة لخدمة المواطن إلى غاية في حد ذاتها. عندها يصبح السياسي مستعداً لتبديل مواقفه، وتغيير خطابه، ومهادنة من كان يهاجمه بالأمس، ومهاجمة من كان يمدحه، فقط لأن حسابات الموقع والمرتبة اقتضت ذلك. وهنا لا تعود المسألة اختلافاً في الاجتهاد السياسي، بل تصبح أزمة في القيم والمبادئ.

ليس عيباً أن يطمح السياسي إلى المسؤولية، بل العيب أن تصبح المسؤولية هدفاً شخصياً منفصلاً عن واجب الخدمة. وليس عيباً أن يسعى المرشح إلى الفوز، بل العيب أن يصبح الفوز أهم من المبادئ والقيم، وأهم من كرامة المواطن، وأهم من مصلحة الوطن. فالسياسي الحقيقي لا يسأل فقط: كيف أصل؟ وإنما يسأل قبل ذلك: لماذا أريد الوصول أصلا؟ وهل أنا مستعد لتحمل المسؤولية، أم أنني أبحث فقط عن لقب جديد وموقع جديد ونفوذ جديد؟

إن الوطن أكبر من كل حزب، وأكبر من كل مرشح، وأكبر من كل مقعد برلماني. والمغربي الذي يتجه إلى صندوق الاقتراع لا يمنح صوته لكي يصنع لشخص ما مستقبله السياسي، وإنما يمنحه لمن يعتقد أنه قادر على المساهمة في صناعة مستقبل أفضل له ولذويه. ولذلك فإن احترام المواطن يبدأ باحترام عقله، وتقديم الحقيقة له بدل الوعود الزائفة، والبرامج الواقعية بدل الشعارات، والعمل بدل المزايدات.

نحن بحاجة إلى سياسة تستعيد بعدها الأخلاقي؛ سياسة يكون فيها الاختلاف مشروعاً، لكن الكذب ليس مشروعاً، والمنافسة حقاً، لكن التشهير ليس حقاً، والطموح مشروعاً، لكن الانتهازية ليست فضيلة. نحتاج إلى سياسي يستطيع أن يختلف مع خصمه دون أن يحوله إلى عدو، وأن يعترف بخطئه دون أن يعتبر الاعتراف ضعفاً، وأن يترك موقعه حين تنتهي مهمته دون أن يتعامل مع الكرسي وكأنه ملك شخصي أو موروث. 

وفي هذه المرحلة بالذات، ينبغي أن تكون الرسالة واضحة لكل من يستعد لدخول السباق الانتخابي: لا تجعلوا الوطن مجرد شعار في الملصقات والخطب. الوطن ليس صورة ترفع في الحملات، ولا كلمة تكرر في المهرجانات، بل مسؤولية يومية تقتضي الصدق والنزاهة والكفاءة ونكران الذات. ومن لا يستطيع أن يضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الشخصية، لا ينبغي أن يطلب من المواطنين أن يضعوا ثقتهم فيه.

فالسياسة التي لا أخلاق لها تتحول سريعاً إلى صراع على المواقع، والسياسي الذي لا تحكمه القيم يصبح أسيراً لمنطق المصلحة، مهما كان خطابه أنيقا ومتناسقا ومهما كانت شعاراته براقة. أما السياسة التي نحتاجها فهي تلك التي تجعل المنصب وسيلة، لا غاية؛ وتجعل السلطة تكليفاً، لا امتيازاً؛ وتجعل خدمة المواطن أولوية، لا مجرد شعارات انتخابية.

وفي النهاية، ستنقضي الانتخابات، وستعلن النتائج، وسيفوز من سيفوز، وسيغادر آخرون السباق. لكن يبقى السؤال مطروحا: ماذا قدمنا لهذا الوطن؟ 

هذه هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن نخوضها ونحن على أبواب انتخابات شتنبر: معركة إعادة الاعتبار للأخلاق في السياسة، وللمصلحة العامة في مواجهة الأنانية، وللوطن في مواجهة اللهاث وراء الكراسي. فالمناصب تزول، والرتب تتغير، والوجوه تتبدل، أما الوطن فيبقى. ومن لم يفهم هذه الحقيقة، مهما بلغ من المناصب، لم يفهم يوما معنى السياسة.

آخر الأخبار

كيف انتهى هشام جيراندو في منصات "الخونة" في الفضاء الرقمي؟
يعيش النصاب والهارب من العدالة هشام جيراندو، أسوأ أيامه في الفضاء الرقمي، بعدما تهاوت الأوهام التي بناها طوال سنوات حول نفسه كـ”صانع محتوى” مؤثر. فقد شكلت الضربات المتتالية التي تلقاها مؤخراً نقطة تحول جذرية في مساره الانحداري، فمن جهة، جاءت التسريبات المدوية لـ “أطلس هاكرز” (Atlas Hackers) لتعري حقيقة عملياته المشبوهة وتكشف المستور عن طرق […]
"جيل تمغربيت" تحذر من تداعيات العزوف عن التصويت
على بعد أيام من الاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، ومع ظهور بعض الدعوات المحرضة على عدم التصويت، دعت منظمة “جيل تمغربيت” المواطنين إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات، مؤكدة أن الإصلاح السياسي لا يتحقق برفض الآليات الديمقراطية. وحذرت المنظمة من العزوف عن التصويت في ظل اختلالات المشهد الحزبي، ما يستدعي حسبها الانخراط في […]
خالد بوطيب يسدل الستار على مسيرته الكروية
أعلن الدولي المغربي السابق خالد بوطيب، اليوم السبت، اعتزاله لعب كرة القدم نهائيا ووضع حد لمسيرته الاحترافية، بعد رحلة حافلة بالمحطات والمشاركات البارزة رفقة الأندية والمنتخب الوطني. وجاء إعلان بوطيب (39 عاما) من خلال مقطع فيديو نشره على حسابه الرسمي في منصة “إنستغرام”، استعرض فيه أبرز لحظات مسيرته الكروية، معبرا عن فخره الكبير بالمسار الذي […]