رقمنة الصحة بالمغرب تحت المجهر.. مخاوف من احتكار يهدد المال العام والسيادة الرقمية

بواسطة الإثنين 18 مايو, 2026 - 16:38

يشهد مشروع اعتماد نظام معلوماتي موحد بقطاع الصحة في المغرب تصاعدا في حدة الجدل، بعدما انتقل من كونه ورشا إصلاحيا يُفترض أن يواكب التحول الرقمي ويعزز حكامة المنظومة الصحية، إلى ملف يثير أسئلة حول المنافسة والمال العام والسيادة الرقمية الوطنية.

وتقدم الجهات المعنية المشروع باعتباره خطوة استراتيجية تهدف إلى توحيد الأنظمة المعلوماتية بالمؤسسات الصحية، وتسهيل تدبير المعطيات الطبية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. غير أن عددا من الفاعلين المهنيين والمتتبعين يعتبرون أن الصيغة المطروحة حاليا قد تفتح الباب أمام وضعية شبه احتكارية داخل سوق الأنظمة المعلوماتية الصحية، عبر تركيز التحكم في البنية الرقمية الوطنية بيد فاعل واحد أو عدد محدود من الشركات.

ويرى متابعون أن خطورة المشروع لا ترتبط فقط بالجانب التقني المتعلق بالبرمجيات والمنصات الرقمية، بل تمتد إلى التحكم في المعطيات الصحية للمواطنين، وما يرافق ذلك من رهانات مرتبطة بالسيادة الرقمية والأمن المعلوماتي وقدرة الدولة مستقبلا على تطوير الأنظمة أو التفاوض بشأن تكاليفها وشروط استغلالها.

ويؤكد مهنيون أن التوجهات الدولية الحديثة في مجال الرقمنة الصحية أصبحت تعتمد على مبدأ (التشغيل البيني) والمعايير المفتوحة، بما يسمح بتكامل الأنظمة المختلفة وتعدد الفاعلين داخل السوق، وهو ما يضمن المرونة التقنية وتحفيز الابتكار وتفادي الارتهان لمزود واحد. غير أن المشروع الجاري تداوله – بحسبهم – يسير نحو نموذج يقوم على “نظام واحد وسوق مغلقة”، الأمر الذي قد يحد من التنافسية ويقلص فرص التطوير المستقبلي.

كما يثير المشروع مخاوف متزايدة بشأن مصير الاستثمارات العمومية التي ضخت خلال السنوات الماضية في تطوير الأنظمة الرقمية الصحية. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الدولة استثمرت منذ سنة 2019 ما يفوق 204 ملايين درهم في عدد من الأنظمة والمنصات المعلوماتية، من بينها نظام (SIVSA) بأكثر من 101 مليون درهم، و(ENOVA) بحوالي 60 مليون درهم، و(BELMED) بما يقارب 24 مليون درهم، إضافة إلى (DEDALUS) بأكثر من 17 مليون درهم.

ولا تشمل هذه النفقات مجرد اقتناء تطبيقات رقمية، بل تمتد إلى إنشاء مراكز بيانات، وتطوير حلول تشغيلية متكاملة، وبرامج للتكوين، وربط المؤسسات الصحية تدريجيا بالبنية الرقمية الوطنية. غير أن الانتقال إلى “نظام موحد” قد يعني عمليا التخلي عن جزء كبير من هذه الأنظمة وإعادة بناء منظومة جديدة من الصفر، وهو ما قد يحول استثمارات تتجاوز 143 مليون درهم إلى ما يعرف اقتصاديا بـ”التكاليف الغارقة”، أي نفقات عمومية يصعب استرجاع قيمتها الاقتصادية أو الاستفادة منها لاحقا.

ويطرح هذا المعطى تساؤلات متزايدة حول طبيعة المشروع وأهدافه الفعلية، وما إذا كان يتعلق فعلا بإصلاح رقمي شامل يخدم المرفق الصحي العمومي، أم بإعادة تشكيل سوق الأنظمة المعلوماتية الصحية تحت غطاء التحديث والرقمنة.

وفي السياق ذاته، يرى متابعون أن مشاريع بهذا الحجم والحساسية تستوجب “وضوحا كاملا في الرؤية التقنية ودفاتر تحملات دقيقة وآليات شفافة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين”. غير أن عددا من المهنيين يعتبرون أن الغموض الذي يحيط بالتصور النهائي للمشروع، وعدم وضوح شروط الانتقال من الأنظمة الحالية، فضلا عن غياب معايير دقيقة للمشاركة المستقبلية، كلها مؤشرات تثير مخاوف من توجيه الطلب العمومي بشكل غير مباشر نحو فاعلين محددين.

كما يحذر خبراء من التداعيات بعيدة المدى لفرض نظام موحد، بالنظر إلى ما قد يترتب عنه من تبعية تكنولوجية وارتفاع في تكاليف الصيانة والتطوير، إضافة إلى تراجع القدرة التفاوضية للدولة وإضعاف دينامية الابتكار نتيجة غياب المنافسة. وتكشف تجارب دولية مماثلة، وفق متابعين، أن احتكار الأسواق الرقمية غالبا ما يقود إلى ارتفاع الأسعار وبطء التحديثات وتراجع جودة الخدمات.

وفي خضم هذا الجدل، تتعالى الأصوات المطالبة بتدخل مجلس المنافسة من أجل تقييم المشروع من زاوية احترام قواعد المنافسة الحرة، وقياس تأثيره المحتمل على بنية السوق والمالية العمومية، ومدى انسجامه مع مبادئ الحكامة الرقمية الحديثة.

ويجمع متابعون على أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تسريع رقمنة القطاع الصحي، بل في بناء نموذج رقمي وطني مفتوح ومتعدد الفاعلين، قائم على التشغيل البيني والمعايير المفتوحة، بما يضمن حماية المال العام وتحفيز الابتكار والحفاظ على التنافسية.

ويبقى السؤال المطروح : هل يشكل مشروع النظام المعلوماتي الموحد خطوة فعلية نحو إصلاح رقمي متوازن يخدم المنظومة الصحية المغربية، أم أنه يمهد لاحتكار مقنع قد تتحمل الدولة والمواطن كلفته لسنوات طويلة…؟

آخر الأخبار

رسميا..البرتغالي باولو سيرجيو مدربا للوداد
​أعلن فريق الوداد الرياضي لكرة القدم عن تعيين البرتغالي باولو سيرجيو بريتو مدربا جديدا، لمدة موسم واحد. ​وكشف الوداد أن هذا الاختيار يأتي في إطار توجه الإدارة نحو فتح صفحة رياضية جديدة، ترتكز أساسا على تحقيق الاستقرار التقني، ووضوح الرؤية المستقبلية، وتعزيز الروح التنافسية للفريق. ​وأكد الوداد في بلاغ له أن هذه الخطوة تتنسجم مع […]
الدار البيضاء.. الوقاية المدنية تتغلب على حريق ضخم نشب في محلات الدراجات النارية بسوق القريعة
بوريطة: رقمنة خدمات البطاقة الوطنية تشمل 88 في المائة من قنصليات المغرب
كشف ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن المنظومة الإلكترونية الخاصة بمعالجة طلبات البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية لفائدة أفراد الجالية المغربية أصبحت معتمدة حاليا في 88 في المائة من المصالح القنصلية المعنية. وأوضح بوريطة أن هذه المنظومة جرى تعميمها، بتنسيق مع مصالح الإدارة العامة للأمن الوطني، على مختلف المصالح القنصلية للمملكة […]