سيحة الزربة!

بواسطة الثلاثاء 13 مايو, 2025 - 18:40

مرة أخرى، تُختزل الحياة الدستورية للبلاد في سلسلة من الشائعات الرخيصة، ومضمار للتأويلات الشعبوية التي تتغذى على عطالة العقل وتواطؤ المنصات “الرقمية” مع منطق الإثارة وتكديس النقرات. إذ قبل صدور البلاغ الملكي عقب انعقاد المجلس الوزاري، بدا المشهد الإعلامي وكأنه ساحة مفتوحة أمام هرطقة هجينة، يتصدرها سماسرة التسريبات وخدام اللحظة الرقمية، يلوكون أخبار “الإعفاءات والتعيينات” بلغة ملغومة، دون اعتبار لمكانة الدولة أو رمزية القرار السياسي السيادي.

ما يُثير القلق في هذا الانفلات، ليس مجرد اختلال أخلاقي في التعاطي الإعلامي مع مؤسسة التعيين، بل هذا الميل المريب نحو تحويل القرار السيادي إلى مادة استهلاكية، تُجتزأ من سياقها الدستوري وتُزجّ في دوامة من الإشاعة والتأويل الفج والخبر الزائف. فحين تتحوّل لحظة التعيين، بما تحمله من رمزية سيادية وتقدير دقيق للمصلحة العامة، إلى “سبق صحفي” بائس يُطلق من منابر الوهم، فإننا نكون أمام شكل من أشكال تمييع الفعل السياسي وتحريفه عن مقاصده النبيلة.

إن الدستور، الذي انتزعه الشعب المغربي بتضحيات قواه الحية، لم يُشرّع سلطة التعيين عبثاً، بل أسندها إلى رئيس الدولة بصفته ضامناً للتوازنات الكبرى ومؤتمَناً على استقرار المؤسسات. هذه السلطة ليست عرضة للمضاربة ولا مادة للتأويل الاعتباطي، بل قرار سيادي يتغيا خدمة الصالح العام، ويُصاغ في كنف الحكمة، خارج منطق السوق الرقمي أو نوازع الانتشاء الفارغ بـ”الترند”.

والأنكى أن ما يُروَّج له لا يكتفي بتجاوز دوره الإخباري، بل يتطاول على المؤسسات حين ينصب نفسه مرجعاً لتوزيع شهادات الكفاءة والولاء والخيانة. إنها سلطة موازية تُمارس في الظل، دون تفويض أو مساءلة، تنتشي باللعب في الهامش، وتؤسس لثقافة تآكلية لا تعترف بشرعية المؤسسات، بل تُفضّل أن تعبث بخيوطها من وراء الستار.

لسنا هنا بصدد محاكمة النوايا، ولكن واجب القول يحتم التنبيه إلى أننا نعيش لحظة خطرة، تنزلق فيها بعض أدوات الإعلام نحو ضرب أحد أعمدة البناء الدستوري، تحت غطاء “حرية التعبير” التي تحوّلت في بعض الحالات إلى غطاء للعدمية والانحراف. ومن المؤسف أن يستسهل بعض من يدّعون الانتماء للحقل الإعلامي الترويج لخطاب يُقزِّم القرار الملكي، ويُجرده من دلالته الرمزية والسياسية، في مشهد يُقوِّض ما راكمناه من نضالات لأجل صحافة وطنية ملتزمة.

إن المطلوب اليوم ليس الصمت أمام هذا الانحدار، بل استعادة المعنى الحقيقي للإعلام، كأداة تنوير لا وسيلة تشويش، وكرافعة وعي لا كوابح تخريب. فالقرارات السيادية لا تُختزل في منشور فايسبوكي ولا في هذيان يوتيوبي، بل تصدر عن مؤسسة شرعية تستند إلى العمق الدستوري للمؤسسة الملكية، وإلى فلسفة الدولة التي يُفترض أن نُسهم جميعاً في حمايتها من الابتذال والتبسيط المخل.

وفي الأخير، لا يسعنا إلا أن نُذكِّر بلغة هذا الشعب العميقة: شهوة مول المظل، يمشي فالشمس ولا يمشي فالظل. فهكذا تُدار الأمور في الدول التي تحترم ذاتها، لا بفتاوى اللايفات، ولا بإدمان الإساءة الممنهجة للدلالة السياسية للقرار السيادي.

 * أكاديمية وفاعلة سياسية.

آخر الأخبار

التشغيل في برامج الأحزاب.."البام" يتعهد بتخفيض البطالة إلى 7 في المائة وإطلاق "أفق لكل شاب"
في الوقت الذي لم يتمكن التحالف الحكومي الذي هو عضوا فيه، من تحقيق هدف إحداث  مليون منصب خلال الولاية الحكومية التي ستنتهي بعد اقتراع 23 شتنبر، مكتفيا ب850 ألف منصب فقط، عمد حزب  “الأصالة والمعاصرة”،حسب برنامجه الانتخابي،  إلى وضع الشغل والبطالة في صلب أولويات برنامجه الانتخابي لاستحقاقاته التشريعية، متعهدا بخلق مليون منصب شغل صاف على […]
سيول جارفة تحاصر سيارة للنقل المزدوج بين تنغير وإملشيل ونجاة ركابها بأعجوبة
علمت (أحداث أنفو) أن ركابا كانوا على متن سيارة للنقل المزدوج، أمس الأحد، عاشوا لحظات صعبة بعدما حاصرت السيول الجارفة السيارة التي كانوا على متنها على الطريق الوطنية رقم 12 الرابطة بين تنغير وإملشيل،حيث مكنت التدخلات من إنقاذ جميع الركاب. وحسب مصادر مطلعة فقد باغتت السيول المركبة بمنطقة باكدال، بالقرب من قصر أكدال، حيث جرفت […]
التشغيل في برامج الأحزاب.. "الأحرار" يعد بإحداث مليون منصب  وتمكين شباب "  NEET "
أجرت أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية العديد من التغييرات على برنامجها فيما يخص التشغيل.يأتي ذلك في الوقت الذي لم يتمكن هذا التحالف المكون من “الأحرار” و”البام” و”الاستقلال” من تحقيق مليون منصب شغل، كما وعد ذلك من خلال برنامجه الحكومي، مكتفيا بإحداث 850 منصب شغل غير فلاحي،حسبما تصريح سابق لرئيس الحكومة عزيز أخنوش.ارتباطا باستحقاقات 23 شتنبر التشريعية، […]