خليل الهاشمي الإدريسي، أو ‘‘خ.ه.إ‘‘ كما كان يحب أن يوقع مواده الصحفية، والمدير السابق لوكالة المغرب العربي للأنباء غادرنا إلى دار البقاء. لم يكن الفقيد موظفا ساميا فقط، بل شاعرا أصدر عدة دواوين، وصحفيا أولا وقبل وكل شيء ثم ناشرا.
ينتمي الراحل إلى ذلك الجيل الذي حلم بصحافة مستقلة على الرغم من الخلافات والتباينات في الرؤى والأفكار، وهو اختيار تبنى مبدأ الاستقلالية ضمن المسؤولية لأن القائمين عليه كانوا وطنيين حتى النخاع، لم يحتاجوا قط للتشاور قبل اتخاذ القرارات كلما تعلق الأمر بالمصالح العليا للوطن أو استقرار مؤسسات الدولة. لقد ارتبطوا ببلادهم اقتناعا وليس من أجل التباهي أو حبا في الظهور. وتجسيدا لهذا المبدأ، خاض هؤلاء الصحفيون معارك ممتعة وصعبة من أجل مأسسة صحافة معاصرة حرة وذات جودة.
امتلكت أقلام ذلك الجيل ناصية اللغة أولا وقبل كل شيء. يأخذ الحنين كل من يتذكر تلك الفترة إلى بلاغة التأكيد عند عبد الله الستوكي، وسخرية الراحل خليل العالمة، وتجليات الكحص، واللسعات المؤذية والممتعة بلغة موليير لنعيم كمال، وازدواجية المباشر والرمزي عند جمال براوي، وقوة خطاب المواجهة عند خالد الجامعي ورسالته الشهيرة لادريس البصري.
آخرون طبعوا بدورهم هذه الفترة، كسي محمد البريني الذي حقق قصة نجاح حقيقية في الأحداث المغربية، وعبد اللطيف منصور الذي آمن بنفس الحلم من خلال ‘‘ماروك ايبدو‘‘، ومليكة ملاك وفاطمة لوكيلي اللتان جسدتا نفس التطلع في الإعلام السمعي البصري.
هذا الزخم من الذكاء والكفاءات نجح في استقطاب أعلى كتاب الأعمدة موهبة، وألقى إشعاعا معينا على القطاع. وحتى عندما كان تسود أجواء الاحتقان، كان الارتقاء الثقافي لأطرافه يهيمن على المشهد ويفرز مسحة من التسامح، إذ لم تخل معاجمهم من الكلمات الطيبة ولا أفكارهم من احترام الاختلاف. غادرنا معظمهم إلى دار البقاء، فيما اختار الباقون منهم على قيد الحياة الابتعاد قليلا عن المشهد، فلمن كان يؤمن أن الصحافة بحث عن الحقيقة أساسا، لن يرى في صحافة البوز سوى كابوسا متجسدا.
مارس هؤلاء النقد في أبعد تجلياته، مع الكثير من التنسيب لأنهم كانوا على وعي بأن العالم معقد، بموسوعية العالم لأن ثقافتهم كانت تنهل من كل الآفاق. داعب حلم مسيرة هذا الجيل، ونجحت أسماؤه وأقلامه في تحقيقه ولو جزئيا، في ما يمكن اعتباره حقا العصر الذهبي للصحافة المغربية.
فلينعم خليل ومن سبقه إلى الآخرة بالراحة الأبدية، وحياة طيبة ومستقرة للباقين.. وكل شكرنا لكم على جسامة المعركة التي ناضلتم من أجلها.
