AHDATH.INFO
رمضان فرصتي للتخلي عن عادة التدخين. لازمة يكررها الكثير من المدخنين الذين باتوا مقتنعين بالآثار الصحية المدمرة للتدخين، دون حاجة لوضع هذه الممارسة في خانة الحلال والحرام، إلا أن استخراج بعض الآراء الفقهية القديمة وإعادة طرحها على الساحة، جعل البعض يتساءل عن إمكانية وجود فتوى تبيح للصائم تدخين سيجارته دون إبطال صومه.
المفكر الإسلامي المصري جمال البنا، كان سببا في إثارة الجدل، ما عرضه للكثير من النقد والاتهام بالبحث عن الشهرة، من خلال استخراج رأي قديم يبيح للصائم التدخين نهار رمضان، معتبرا أن السجائر لا تدخل في خانة المأكولات أو المشروبات التي تفسد الصوم، واصفا إياها بالدخان الذي يشبه العطر أو الهواء، مضيفا أن تحريمه يدخل في باب الاجتهاد المتأرجح بين الخطأ والصواب.
واعتبر البنا أن ما يشعر به المدخن من قلق وضيق نهار رمضان، يدخل في باب العنت وتكليف النفس بما هو فوق طاقتها، وهو ما يتعارض مع قوله تعالى “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”، وبرر المفكر المثير للجدل إجماع العلماء على اعتبار التدخين من المفطرات، بوجود التباس لغوي طرحته العبارة المشرقية “شرب السجائر” ليعتبره الفقهاء مفطرا لكونه يشرب، مضيفا أن القرآن والسنة تحدثا عن ثلاثة أركان فقط للصيام، وهي الامتناع عن الأكل والشرب والمخالطة الجنسية، ما يجعل السجائر خارج هذه التصنيفات الثلاثة، معتبرا أنها مجرد دخان يجعل من متعاطيها في حالة ضعف بشري يستوجب مسايرته بروح العصر، بدل تحميل الشريعة ما لا تحتمل.
رأي قديم حول ممارسة متجذرة
البنا ذهب إلى أكثر من ذلك، حين اعتبر أن الحكم بتحريم التدخين خلال الصيام قد يسقط العلماء في خانة المحظور، لكون الأصل في كل العادات عدم الحظر إلا إذا حظرها الله بنص، مستدلا بقوله تعالى ” قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا”، وبقول الرسول عليه الصلاة والسلام “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها”.
وفي ردهم على هذه الفتوى المثيرة للجدل، اعتبر عدد من العلماء أنها رأي قديم لأحد كبار فقهاء الحنفية، الإمام ابن عابدين الذي جعلها في نفس حكم البخور الذي يصعب التحرز من استنشاقه، وذلك منذ ما يزيد عن 180 عاما، وبمقارنة عدد من المعطيات التي تضمنتها مصادر تاريخية حول الخلافة العثمانية، يتبين أن تدخين التبغ كان ممارسة متجذرة بين المسلمين تحت النفوذ العثماني قبل ولادة الإمام ابن عابدين بعقود، حيث تشير بعض المصادر إلى أن تداول التبغ بين صفوف المسلمين كان سنة 1603، في خلافة السلطان العثماني أحمد الأول، قبل أن يتم حظره من طرف السلطان مراد الرابع سنة 1633 بعد أن أصبح عادة بين النساء والرجال على حد سواء، وهو ما تشير له الكثير من اللوحات الفنية التي تظهر الحريم يدخن الأرجيلة المحتوية على التبغ، إلى جانب استمرار عادة تدخين الأرجيلة أو ما يعرف بالشيشة إلى اليوم بالدول المشرقية، ما يعكس مدى تجذر العادة بهذا الحيز الجغرافي الذي شكلت أراضيه الخصبة كفلسطين وسوريا وتركيا مناطق لزارعة التبغ التي كانت محاصيله تدر مبالغ مهمة على الدولة العثمانية، حسب ما جاء في دراسة للدكتور محمد عقل، حول رسوم “التبغ في العهد العثماني”.
دخان كهواء
إلا أن تراجع بعض أئمة الخلافة العثمانية عن تحريم عادة تدخين التبغ، ووجود رأي قديم لأحد كبار فقهاء الحنفية كالإمام ابن عابدين، الذي جعل من دخان التبغ كالهواء الذي لا يمكن تجنبه خلال الصيام، لم يشكل مسوغا لإباحة التدخين خلال الصوم بعد أن بقي الرأي “شاذا ومتروكا” وفق حجج المنتقدين في الجانب السني، مقابل بعض الفتاوى الشيعية التي اعتبرت أن الامتناع عن التدخين يكون من باب الاحتياط مع ضرورة إتمام الصيام في حال التدخين تحت أي ظرف من ظروف، والحكم بوجوب قضاء اليوم، في الوقت الذي أفتى بعض المراجع الشيعة بجواز التدخين للمدمن الذي يجد مشقة كبيرة في مواجهة أعراض الامتناع عن التدخين خلال أولى أيام الصيام. !!
واعتبر المنتقدون لهذه الفتوى الشاذة أن كل ما يدخل للجوف عمدا على اختلاف هيأته، سواء كان صلبا أو سائلا أو دخانا، يبطل الصوم بالإجماع، معتبرين أن السجائر ليست مجرد هواء كما ذهب البنا استنادا على رأي الإمام ابن عابدين الذي تحدث عن التبغ في صورته الأولى كنبتة، وليس السجائر على هيأتها اليوم حيث يدخل في تركيبتها المعقدة أزيد من 700 مادة كيميائية، ما يقارب 70 منها تصنف كمواد مسرطنة تختلط بدم المدخن لتغير في مزاجه وردود أفعاله، ما يجعل حاجة الصائم لها في رمضان كحاجته لباقي ما يشتهيه من أكل وشرب، ليدخل في خانة الشهوات الواجب تركها خلال نهار رمضان، مع الحث على استغلال شهر رمضان لتدريب النفس على ترك هذه العادة لما لها من تأثيرات صحية خطيرة على الصحة، في خطوة تستحضر أهمية الحفاظ على النفس التي تدخل في إطار الكليات الخمس للدين، بعد تأكيد عشرات الدراسات والأبحاث عن علاقة التدخين بسرطان الرئة والحنجرة.
وتزامنا مع شهر رمضان، تعاود هذه الفتوى الظهور لتثير موجة من المواقف المتناقضة، حيث يعتبرها البعض فرصة للتعرف على الشاذ من المواقف والآراء لتشجيع النقاش الديني وبسط مختلف أدلة الفريقين ما يجعل المتلقي يراكم معرفة دينية تنمي حسه النقدي، بينما يعتبرها البعض ترويجا لمغالطات وآراء حسم النقاش حولها منذ عقود..
